أركان الإسلام

أخلاقيات الخطاب الديني

دراسة تؤكد وجوب تأسيس إعلام يعمل على إشاعة المفاهيم الدينية الصحيحة

أهم سمة من سمات الخطاب الديني هي الربانية في المصدر والمنشأ، من أخلاقيات الخطاب الديني يجب أن يكون ربانياً في مصدره ومنشأه يستمد مبادئه وقيمه من تعاليم الدين الحنيف والسنة النبوية الشريفة المستمدة من أفعال الرسول كما أمر بها الله تعالى في خطابه الإلهي: «لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا» (الأحزاب : 21)

في دراسة بعنوان «دور الخطاب الديني المعتدل في تحقيق التغير الاجتماعي» المنشورة في موقع «شبكة النبأ المعلوماتية»، يؤكد الباحث نبراس النائلي: لعل من أهم المبادئ الأخلاقية للخطاب الديني الموضوعي، عدم اللعب بمشاعر العامة، بما يخدم أيديولوجيات معينة، تتخذ من هذه الشريحة الاجتماعية وسيلة لتحقيق مآربها، سواء على الصعيد السياسي أو الديني.

من خلال ذلك يجب العمل على تأسيس إعلام ديني موضوعي متسامح يعمل على إشاعة المفاهيم الدينية والإنسانية المشتركة بين بني البشر كافة لا تميز بين فئة وفئة أخرى، أي البشر جمعاء حيث أكدت على هذه التعاليم أي الأحكام العادلة بين بني البشر.

الكتب السماوية السابقة فضلاً عن خاتمها القرآن الكريم، حيث أكد على مواطن كثيرة ومهمة على أهمية الخطاب الديني وتعاليمه العادلة التي يجب أن يلتزم بها كل خطيب يؤدي هذه الأمانة، ولا يجب عليه الإفساد ولو بركن واحد من أركان الخطاب العادل والمؤدي إلى الصلاح والإصلاح بين بني البشر كافة، حيث يجب على الإعلام الديني أن يقوم على الحوار والإقناع بعيداً عن تزييف الحقائق وإضلال الجماهير التابعة له والمؤمنة بمصداقيته وابتعاده عن الاستمالة والإغراء والسيطرة على النفس الإنسانية، من خلال تزين ما تريده وتشويه ما تريد تشويهه ايضاً.

الخطاب الديني المتوازن

وحتى يكون الخطاب الديني متوازن وإيجابي أي يصب في مصلحة الكل دون التمييز بين جماعة وأخرى، يجب أن يكون:

1- سليماً وصحيحاً ويكون الهدف منه غاية الجميع، أي استيعاب الرؤى والحقائق المتعالية التي من خلالها يتسامى المجتمع البشري وتعلو قيمته الأخلاقية القائمة على العدل والمساواة من خلال ما يؤديه الخطاب الديني والعاملين به أي الإعلام الديني.

2- ومن أهم الأمور التي يتسم بها الخطاب الديني هي، أن يساهم في تهدئة الأزمات التي تعرض ويتعرض لها المجتمع بصورة مستمرة وبالذات في هذه الفترة التي بدأ المجتمع ينهار بسببها، والتي تمثلت بالأزمات الطائفية والعرقية وغيرها، وبعكس ذلك إذا أدى الخطاب الإعلامي الديني دوراً سلبياً في أدائه فإنه يخلق حالة من التوتر والقلق النفسي لدى أفراد المجتمع تحقيقاً لما يصبو إليه أعداؤه.

3- ومن أخلاقيات الخطاب الديني أيضاً، يجب إشعار الفرد بممارسة حرية رأيه أي الحوار المفتوح للأفراد حيث أن انعدام الحوار وغلق الأبواب أمام الفرد وعدم التعبير عن الرأي يؤدي إلى شعور الفرد بالكتمان والكبت والقمع؛ مما يؤدي إلى التنفيس عن همومه في أجواء مغلقة خلف أبواب موصده، حيث أن حرية الرأي والتعبير والحوار يؤدي إلى تخفيف حدة التوتر وإرساء أسس الانسجام والوئام بين الشعوب المعمرة والبلدان الإسلامية؛ تمهيداً لسبل الارتقاء نحو مجتمع أفضل وحضارة أرقى.

الدعوة إلى الله ونشر القيم الصالحة

إن الدعوة إلى الله تعالى ونشر القيم الصالحة والناقلة المجتمع من وضع بائس إلى وضع أفضل عبر الخطاب الديني المستقيم هي من أفضل الأعمال، قال تعالى: «وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (فصلت : 33) أي لأقول أحسن من القول الصالح وقول الحق.

إن الخطاب الديني عام لا يقتصر على جماعة وجماعة وإنما واعظ لكل غافل وتعليم كل جاهل والدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والسير وفق سلوك المنهج النبوي المعتدل الذي هو الأساس في الدعوة إلى التعليم و الإصلاح والتغيير والتصحيح والعلاج.

مثلما توجد مقومات وشروط صحيحة يجب ان يتحلى بها الخطاب الديني لكي يكون خطاباً سليماً مثمراً فإن هنالك في المقابل مهددات سلبية تسئ له وتعمل على تشويهه حيث يجب تجنبها والحذر منها، حيث أن هذه المنحرفات أو المهددات لها الأثر الكبير وهو ما نعاني منه اليوم بصورة كبيرة جداً في مجتمعاتنا من تشويه في الخطاب ونبذ الحقيقة والإتيان بتعاليم تحرف الشباب والداعية عن طريق الوسطية والاعتدال وتزج بهم في متاهات الفراط والتفريط.

وبسبب كثرة هذ المهددات اليوم نتيجة الانجرار وراء العصابات التكفيرية التي تنبعث لنا في كل حين وآخر بنوع جديد من الأفكار المشوهة والرذيلة التي تزج بمجتمعاتنا في الهلاك.

من مهددات الخطاب الديني:

أولاً: تحريف أهداف الخطاب الديني، ومن صور ذلك الغلو في مسائل السياسة والحكم والإمامة والخلافة، واعتبارها الغاية الأولى والأساس، حتى رأينا المغالين يعتبرون تحقيق هذه الأمور من أول الواجبات على المكلفين والعاملين في الدعوة.

المعتقدات الفاسدة والغلو

حيث أن هذا الغلو شنيع في بناء الشرع والذي يبين أن الغاية الأساس من الدعوة إلى الله هي هداية الناس وتحبيبهم في عبادة الله وتوحيده وتقواه، حيث غرر المتشددون الكثير من الشباب في هذا الباب، حتى أوهموهم بأن الحكومات القائمة اليوم كافرة وأن الأرض اليوم مطبقة بالكفر والردة.

عافانا الله من هذه المعتقدات الفاسدة التي بدأت تنتشر اليوم بشكل كبير جداً بين فئات المجتمع نتيجة مما يعاني منه المجتمع اليوم من كثرة العصابات التي تدعو إلى هذه الأفكار الرديئة المهددة بالنظام المجتمعي والمغرية لأهم فئه فيه، وهي فئة الشباب التي تعتبر القوة الأساسية والداعمة لتطويره وانهيارها يعني انهيار المجتمع بأكمله.

ثانياً: ظهور بعض الجماعات المتشددة والمنسوبة إلى الدعوة الدينية والخطاب الديني ظلماً وبهتاناً، من خلال عدم وضوح ورؤية الاتجاهات الإسلامية وتضاربها وعدم أو قلة التعامل مع قضايا العصر ومتطلباته، فضلاً عن الأنانية وحب الذات أي بسبب إعجاب المنتسبين إلى الدعوة الدينية بنفسه وعدم رؤية مصلحة الأفراد والمجتمعات، أي تفضيل مصالحهم الشخصية على المصلحة الفردية، أي مصلحة الجماعة من خلال الجهل بالمقاصد الشرعية والتغاضي عنها، والخلل في ترتيب الأولويات.

ثالثاً: الاعتماد كلياً على العقل أي القوانين العقلية الحاكمة دون الانجرار وراء العاطفة الهائجة من دون انضباط بالشرع حيث تعتبر هذه من الأسباب التي توقع في شرك الاعتقاد قبل الاستدلال بما هو ينفع وما هو يضر وما الذي يجب ان يكون صحيحاً.

حيث أن العقل ممكن أن يعتريه ضعف في المدارك وقصور في التفكير والوقوع في الحيرة والاضطراب وسيطرة الخرافات عليه وغير ذلك من الآفات التي تجر به في الضلالة، حيث أن العواطف الهائجة تمنع صاحبها عن رؤية الحق والصواب فقد يراه ولا يستجيب له، أو بالأحرى لا يقوى على رده أو صده عندما يرى الكثير يكتبون عن موانع التفكير ويحاضرون بها فهم لا يقدروا على صد تلك الأمور لشدة استحكام تلك العواطف والانفعالات في نفسياتهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى