رؤى

أزمتنا الفكرية ونقص التراكم

لا نحسم أي ملف فكري جاهد فيه مفكرون قبلنا

Latest posts by خالد منتصر (see all)

تحت عنوان «أزمتنا الفكرية ونقص التراكم» كتب الدكتور خالد منتصر مقاله المنشور في جريدة «الوطن» المصرية تناول فيه أزمة الفكر..

وجاء في المقال:

التطور يحتاج إلى تراكم، والمنهج العلمي بناء رأسي تتراكم فيه طبقة فوق طبقة، تضيف وتجود وتحسن تحقيقاً للأفضل، وعدم تطورنا الفكري والعقلي وعودتنا لمناقشة أشياء قد حسمت منذ ألف سنة وتجاوزتها الأحداث وصارت في متحف التاريخ، دليل على أن ثقافتنا ينقصها هذا التراكم الشبيه بالطبقات الجيولوجية، التي حفرياتها الأقدم قابعة في الأسفل، وحفرياتها الأحدث أكثر تطوراً موجودة قرب السطح، مصر هي البلد الوحيد الذي بعد كل تلك السنوات تسود فيه رؤية دعاة سلفيين على المزاج المصري ويصبح أتباعهم بالملايين.

انعدام التراكم لآراء المجددين

وتجد فيها حفرية الديناصور ترقد فوق جثة الإنسان! وهي البلد الذي أنجب الشيخ محمد عبده وعبدالمتعال الصعيدي وشلتوت، لم تتراكم آراء هؤلاء المجددين، بل عدنا إلى نقطة الصفر، كنت أتخيل أننا سنبني على آرائهم، ونسد الثغرات التي لم يملأوها.

فحتى هؤلاء المجددين كانت لهم آراء تحتاج إلى دفعة وتحديث يتناسب مع الزمن، لكن ما حدث أن القدماء في المؤسسة الدينية انتقدوا تعدد الزوجات وعدنا الآن بعد قرنين نمجد ونمدح بل ويتكون عندنا جمعيات نسائية تدعو لتعدد الزوجات!!

وكانوا قد قاربوا بين السنة والشيعة ودعوا للاستفادة من فقههم والتلاقح ما بين اجتهاداتهم واجتهاداتنا، فعدنا في ذلك العصر إلى التصريحات النارية العدائية وأخفها وطأة أن الشيعة أخطر من إسرائيل، ويقتل في زماننا ومنذ سنوات قليلة ويسحل شيخ بأبشع طريقة لمجرد أنه شيعي يحتفل في بيت مغلق مع أصدقائه!!

لم نستفد ولم نراكم خبرة أن ينقذ رجل عدالة ووكيل نيابة شاب مفكراً من اتهام التكفير بل ويكتب أن ما كتبه طه حسين يقع في دائرة البحث العلمي، ونأتي نحن بعد سنوات لنحكم على الباحث نصر أبو زيد بالتفرقة بينه وبين زوجته لأنه مارس جريمة البحث العلمي!!

كيف عدنا إلى المربع الأول

دائماً نعود إلى المربع رقم واحد، في زمن الطرابيش عندما أنشئت جامعة القاهرة (فؤاد) كانت القاعدة أن دينها العلم والبحث والبعد عن الطائفية وتديين أنشطة الجامعة العلمية، أكد على ذلك أحمد لطفي السيد وسعد زغلول، وأعمدة الليبرالية المصرية، لكننا لم نستخدم فضيلة التراكم الثقافي.

وتركنا الجامعة فترة طويلة ميداناً للتلاسن والتمييز الطائفي، كان سلامة موسى أول مفكر عربي يشرح لنا التطور بفهم وجرأة، محطماً تابوهات راسخة، أيضاً لم نستفد ولم نراكم وصارت مناهج مدارسنا بعد قرن كامل تخاصم تدريس نظرية التطور بعدما صارت عموداً من أعمدة بناء علم البيولوجي، انطلق إسماعيل أدهم منذ مائة سنة في التحليق بحرية وأصدر كتابه «لماذا أنا ملحد».

وتم الرد عليه ولم يدخل السجن، بينما دخل السجن بعد صدور الكتاب بثمانين سنة المفكر الشاب إسلام بحيرى لأنه انتقد البخاري، وهو يعلن أن هدفه هو إنقاذ الإسلام، لم يعلن أنه ملحد أو متشكك أو لا ديني.. إلخ، مجرد أنه انتقد التراث!!

عشرات الأمثلة تؤكد على أن جوهر أزمتنا العقلية هو نقص أو انعدام التراكم، وأننا لا نحسم أي ملف فكري جاهد فيه مفكرون قبلنا لنتجه إلى ملفات أخرى أهم وأخطر، ولكننا نظل نحكي في المحكي ونكتب هوامش على الهوامش ونمارس رياضة الجري في المكان، أو بالأصح الهرولة إلى الخلف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى