المرصد

أستاذ فلسفة: الإنسان هو مشيد الحضارة وصانع التاريخ

د. حسن حماد: تُرى أين يقف الإنسان العربي الآن؟ وكيف يتشكل وعيه بعد هذه الأحداث الجسام التي مر بها

خاص - التنوير
Latest posts by خاص - التنوير (see all)

أكد الدكتور حسن حماد أستاذ الفلسفة والعميد الأسبق لكلية الآداب- جامعة الزقازيق، أن الإنسان هو مشيد الحضارة وصانع التاريخ، وهو الكلمة الأولى والأخيرة في أي تغيير أو تقدم أو تطور.

وفي كلمته في ندوة «نحو استراتيجية لإعادة بناء النظام العربي» التي أقامتها مؤسسة «رسالة السلام للأبحاث والتنوير» بالتعاون مع كلية دار العلوم – جامعة القاهرة، أشار بقوله، من هنا لا يمكن أن نتحدث عن تغيير الواقع أو تغيير البنية السياسية والاقتصادية بدون تغيير الإنسان.

والإنسان أي إنسان هو عبارة عن عقل ووجدان وجسد. ولا انفصال بين هذه الأبعاد الثلاثة: العقل، والوجدان، الجسد، ومع ذلك فإن العقل هو أهم ما يميز الإنسان عن بقية الكائنات.

والعقل يعني الوعي: وعي الإنسان بذاته، بعالمه، بالطبيعة، بالآخرين، بالإنسانية، بالتاريخ، بالكون، بالإله وما يرتبط به من المفردات الميتافيزيقية والقدسية. ولن أجاوز الحقيقة لو قلت ببساطة شديدة أن الإنسان وعي، والوعي هنا ليس وعياً إدراكياً أو معرفياً محسب، ولكن الوعي هو مجموعة من الدوائر المتداخلة والمتشابكة تبدأ من الوعي الحسي لتصل إلى الوعي بقضايا وأسئلة الوجود الكبرى: أسئلة المعنى والمصير: من نحن ولمَ نحيا وإلى أين نحن ذاهبون؟

جوهر الوجود الإنساني

ويؤكد «حماد» على أن هذه الأسئلة ليست مجرد ترف فكري، ولكنها تُمثل جوهر الوجود الإنساني. إن الوعي دائماً ما يرتبط بموضوع ما مثلما يؤكد الفيلسوف الألماني (هوسرل): الوعي مسكون دائماً بموضوعات: سياسية أو ثقافية أو فنية أو دينية أو فلسفية أو علمية أو بيولوجية. وربما يرتبط وعي كثير من الناس بموضوعات تافهة مثل الهوس الكروي وملاحقة آخر تقاليع وصيحات الموضة أو تتبع أخبار النجوم والنجمات والفضول المتطفل للانشغال بشئون الآخرين والانغماس في أخبارهم وأسرارهم.

ويطلق مارتن هيدجر على هذه الظواهر كلمة تعبر عن الانحطاط الأخلاقي يسميها «السقوط في الحشد»، ويعني بذلك الاستسلام لثقافة الغوغاء أو الدهماء أو كما يُسميهم (نيتشة) القطيع. وثقافة القطيع هي ثقافة تهميش العقل أو غيابة. ثقافة حيونة الإنسان واغترابه عن إنسانية وعن وعيه ليتحول إلى مُجرد مسخ يشبه مسخ «فرانز كافكا»!

تُرى أين يقف الإنسان العربي الآن؟ وكيف يتشكل وعيه بعد هذه الأحداث الجسام التي مر بها عالمنا العربي خاصة بعد انتفاضات الربيع العربي؟ ما صورة العالم في وعي الإنسان العربي؟ ما الذي يُشكل هذا الوعي؟ كيف يفكر الإنسان العربي في ماضيه وحاضره ومستقبله؟ كيف ينظر إلى نفسه والآخر؟ ما هي القضية التي يحيا من أجلها هذا الإنسان؟ وما هو موقع الإنسان العربي بين رفاقه من البشر الآخرين؟.

إن هذه الأسئلة وغيرها لا يمكن بالتأكيد أن تُعالج في ورقة بحثية وحيدة وتحتاج إلى العديد من المختصين في مجالات الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد والسياسة والإعلام .. وغيرها من المجالات المختصة بدراسة الإنسان. إن التحليل الجدلي الماركسي مفيد جداً في لملمة أطراف هذه الأسئلة الشائكة المحيرة. ماذا يقول التحليل الماركسي عن علاقة الوعي بالواقع؟

الواقع المادي الذي يشكل الوعي

وبالإشارة إلى التحليل الماركسي يقول «حماد» أنه يذهب إلى أن الواقع المادي هو الذي يُشكل الوعي، والمقصود بالواقع المادي وفقاً للرؤية الماركسية الضيقة هو الاقتصاد، وهذا ما اعترض عليه، وأرى أن الواقع المادي ليس مقتصراً فقط على العامل الاقتصادي. الواقع المادي أو الأساسي المادي يشمل في اعتقادي: الطبيعة، المناخ، الواقع التاريخي، الاقتصاد السياسي. وهذه العوامل ليست وحدها هي المؤثرة في تشكيل الوعي، ولكن أيضاً العوامل الثقافية (خاصة الدين) تلعب دوراً حيوياً في تشكيل الوعي.

وفي ثقافتنا العربية يمثل الدين الرافد الأساسي في تشكيل الوعي، لعدة أسباب أهمها انهيار المشروع القومي العربي بعد هزيمة 1967، ثم فشل مشروعات التحديث والتنوير نتيجة أن عمليات التحديث والعصرنة اكتفت بتحديث بنية الواقع، ولكنها لم تناضل من أجل تحديث بنية الوعي لدى الإنسان العربي، ولذلك نجد فجوة بين مظاهر التحديث المنتشر في الفضاء العربي وفي الحياة اليومية، وبين المستوى المتدني للوعي الذي لم يزل يعاني من كل أمراض المجتمع القبلي ومظاهره البطريركية والذكورية والجمودية التعصبية.

ورغم كل مراحل المخاض السياسي التي مرت على العالم العربي بدءاً من المحاولات النضالية للتحرر من التبعية للاستعمار في الستينات من القرن الماضي، وحتى تلك الأحداث العاصفة التي سُميت بالربيع العربي فإن بنية الوعي لم تتزحزح من موقعها القديم.

مقاومة التغيير

كما أشار «حماد» إلى إن هذا الحراك السياسي الذي زعزع أركان معظم الأنظمة العربية في مصر وتونس وسوريا والعراق وليبيا واليمن والسودان … وغيرها لم يستطع أن يزيد من مساحة الحرية، ولم يُفلح في اجتذاب الجماهير العربية نحو الديموقراطية !!

ويبدو أن السبب في هذا سبب سياسي – ثقافي بمعنى أن استبداد الأنظمة العربية جعلها تقاوم دائماً التغيير وترفض تماماً فكرة التعددية السياسية، ولذلك غابت المعارضة السياسية عن الشارع وأصبحت مجرد حلية تتزين بها تلك الأنظمة. ولأن الشارع العربي بلا ممارسة سياسية كان لابد لهذا الفراغ الشاغر أن يجد من يملأه.

وبالفعل توحشت جماعات الإسلام السياسي وتمددت لتتجاوز نطاق جماعة الإخوان المسلين وتشمل كافة الفصائل السلفية بكل مستوياتها الدعوية والجهادية، ولا فرق في قناعاتي بين فصائل هذه الجماعات لأن الإرهاب يبدأ في الرأس عندما يظن المرء أنه قد امتلك الحقيقة المطلقة وأنه المصطفى من قبل الإله لهداية البشر، هنا تبدأ الكارثة ويبدأ الإرهاب الحقيقي.

ولا يمكن لعاقل أن يُنكر أن الدين هو مكون أصيل من مكونات أي ثقافة إنسانية حتى أشدها علمانية، ولكن أزمة الخطاب الدين الإسلامي في العالم العربي تتمثل في نقطتين: الأولى: أن الخطاب الديني الإسلامي خطاب شمولي يسعى إلى السيطرة على كافة مناحي الحياة السياسية والثقافية واليومية مما أدى إلى افتراس الهوية الدينية للهوية الثقافية فصارت هوية دينية خالصة.

عناصر الهوية الثقافية

وفي كلمته أكد «حماد» أنه لا يوجد في عناصر هويتنا الثقافية المعاصرة ما ينتمي إلينا سوى الدين واللغة والتاريخ أما الفلسفة والعلوم والفنون وكافة الاختراعات والإبداعات البشرية ومن ضمنها العولمة، كلها للأسف تنتمي للآخر الغربي، ولذلك لم يجد رجال المؤسسات الدينية وعناصر الجماعات الدينية من ينافسهم في مضمار الثقافة فدانت لهم السيطرة على المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية، ثم اقتحموا مجال الحياة اليومية واخترقوا معظم التجمعات السياسية والاجتماعية والثقافية.

ومن ثم فقد كانت مهمتهم سهلة في الوصول إلى سدنة الحكم مثلما حدث في مصر في يونيو 2012 بعد أن أحكم الإخوان قبضتهم على السلطة السياسية لولا يقظة الجيش المصري العظيم بقيادة الرئيس السيسي الذي قضى على أحلامهم قبل أن تطيح بالوطن وبالأرض وبكل شيء.

أزمة الخطاب الديني

وفي النقطة الثانية لأزمة الخطاب الديني الإسلامي في عالمنا العربي قال «حماد» أنها تتمثل في جمودية هذا الخطاب على العكس من الخطابين اليهودي والمسيحي، حيث خضع كل منهما للعديد من النقد والتفكيك والتطوير بما يُلائم حركة التقدم التاريخي.

في حين أن الخطاب الإسلامي (في نسخته السنية والشيعية) ظل أرثوذوكسياً تماماً وأصولياً حتى النخاع، مما عزله عن حركة التطور التاريخي، ولم يحاول أصحابه الخروج من عباءة الأسلاف، أو تحريره من المرويات والأحاديث والتفاسير التي تنافي العقل وتجافي الواقع، فضلاً عن أن الطابع العنيف والإرهابي والتكفيري الذي تميزت به كل الجماعات والتنظيمات الإسلامية التي ظهرت في الحقبة الراهنة في العالم العربي أضفى على العقيدة الإسلامية طابعاً عدوانياً وإقصائياً تجاه الآخر مما ساعد على تفريغ الخطاب الديني من دوره الإنساني والتحرري وطمس الوجه المشرق لحضارة الإسلام وأخفى الكثير مما انطوت عليه آيات القرآن الكريم من دعوة إلى السلام وإلى الحب وإلى الحرية وإلى التعايش المشترك بين كافة الشعوب قاطبة.

والواقع أن ضعف وتآكل وتهافت المؤسسات في معظم الدول العربية أعطى الفرصة للخطاب الديني الأصولي ليكون أكثر قبولاً لدى جموع متعطشة لأدوار البطولات، ولديها فائض من العنف بفعل القمع الممارس عليها من قبل السلطة.

الخطاب الأصولي

ويؤكد «حماد» أن الخطاب الأصولي نفسه هو خطاب بسيط وسهل ورخيص وغير مكلف وعاطفي ومريح يتكون من مواعظ ورقي وتضرعات وأدعية وقصص ومعجزات وبطولات، ويقدم وعداً بخلاص نهائي يُحرر الإنسان من الخوف والفقر والقلق من الموت والمجهول، ويعفيه من رعب المسئولية المرتبط بالحرية. والأهم من كل ذلك أن الخطاب الديني يقدم لأصحابه أجوبة عن كل الأسئلة المعقولة وغير المعقولة، ويقدم تبريراً لكل الكوارث والظواهر الكونية والاجتماعية، ولكل الظواهر الخارقة للحياة أو الموت. وليس هذا فحسب، بل أن الخطاب الديني يقدم لأصحابه نوعاً من السلوى أو العزاء في مواجهة أي ظلم أو شقاء أو عذاب أو مرض أو محنة.

إن شحن الجموع بهذا الخطاب اللاعقلاني، العنيف، المعادي للآخر، والرافض لنظريات العلم ولتقاليد الحداثة، جعل تلك الجموع تكتفي معرفياً بما تتلقنه وتتعاطاه من القنوات الدينية، ومن دروس المساجد ومن مواعظ وخطب وتعاليم الشيوخ وأمراء الجماعات، مما جعل هذه الجماهير غير متقبلة لأية معارف تأتيها من خارج مصادرها الدينية، بل وربما تكفر أية فكرة جديدة أو مغايرة تعارض مسلماتها وقناعاتها الدينية.

كل ذلك وغيره ساعد على إبقاء هذه الجماهير الصامتة في حالة من الجمود والتخلف والتصلب، ورفض أي محاولة لإعمال العقل أو للتحرك صوب المستقبل، أو للتحرر من سلطة عبادة الماضي وتقديس الأسلاف.

جماعات الإسلام السياسي

وبإشارته إلى جماعات الإسلام السياسي، قال «حماد» إن وجودها وحضورها الطاغي في الشارع العربي وتغلغلها في الحياة اليومية للإنسان العربي، وهيمنتها على المناطق الفقيرة والعشوائية والريفية أدى إلى تصحر الحياة السياسية، وإلى الفقر الثقافي، لأن دين بلا ثقافة سوف يؤدي كما يُشير إلى ذلك المفكر الفرنسي (أوليفييه روا) إلى نوع من الاكتفاء الذاتي، وعدم الاحتياج للمعرفة، ومن ثم يؤدي إلى نوع من الجهل العنيد يُسميه روا بـــ «الجهل المقدس».

يتجلى هذا الجهل عبر آلية قمعية تحاول إخضاع الثقافة بكافة فروعها العلمية والفنية والقانونية إلى سلطة المقدس. ولذلك انتشرت في ثقافتنا المصرية والعربية منذ السبعينيات من القرن الماضي ظاهرة أو تقليعة اسلمة العلوم والفنون والدساتير والقوانين … كل ذلك من أجل إحكام السيطرة الشاملة على تفاصيل الحياة اليومية للإنسان. ومن أجل الهيمنة على وعي الإنسان وعلى ذاكرته التاريخية، وعلى آفاقه الخيالية والإبداعية.

تلك هي قصة تشويه الوعي العربي ليصبح وعياً بدائياً وسحرياً وأسطورياً تماماً، ومن ثم فقد غابت عن هذا الوعي كل رؤية عقلانية أو منطقية أو علمية، وأصبح رجال الدين والفقهاء هم رجال الدولة والعلماء، وانزوى رجال الفكر والعلماء الحقيقيين بعيداً عن دائرة الضوء، ليتخذوا لأنفسهم مكان قصياً، هناك مع المهمشين والمنبوذين والمستبعدين، وإلى جانب هؤلاء ممن ألقت بهم ثقافة المجتمعات العشوائية في دوائر النسيان !!

تغيير الوعي الإنساني وليس الواقع

إن أصعب المهام من وجهة نظره كما أشار «حماد» هي مهمة تغيير الوعي أو تغيير الإنسان لأن الواقع تستطيع أن تغيره بالانقلابات العسكرية والتحولات الراديكالية العنيف، ولكن تغيير الإنسان، وتغيير وعيه يتطلب أموراً كثيرة ويقتضي جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً قد يمتد لعشرات السنوات.

إن بعض الأنظمة السلطوية المستبدة قد ترحب بإنسان الجموع أو إنسان القطيع الذي يمكن أن يُساق مثلما تُساق البهائم، ويمكن أن يكون أداة طيعة تستخدمها السطلة متى شاءت لتأديب الخارجين عن طاعتها أو المتمردين على سلطتها وفي هذا السياق يذكر (آدم متز) في المجلد الثاني من موسوعته عن الحضارة الإسلامية.

إن سلطة العوام من الحنابلة قد اتسعت عام 323هــ فمارسوا نوعاً من الرقابة الأخلاقية على الحياة اليومية فإن وجدوا نبيذاً اراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلتها الغنائية، وصاروا يعارضون سير النساء مع الرجال ويفتشون في الضمائر والنفوس.

إن هذه الجموع يمكن أن تمارس قمعاً موازياً لقمع السلطة المستبدة ويمكن أن تكون أداتها في البطش، لكن لا يجب أن ينسى الحكماء من الحكام إن هذه القوة الغاشمة يمكن أن تتحول في لحظة إلى قوة مدمرة تكتسح في طريقها كل شيء، ويمكن أن تقتلع الأنظمة من جذورها مهما كانت مستقرة أو راسخة.

درس الربيع العربي

استدعاء الربيع العربي في الذاكرة التاريخية مهم جداً. والقذافي المقتول كان يقول في مذكراته شيئاً يُنبئ عما حدث له ولغيره، فكان يعترف بأنه لا قوة تستطيع أن تقف أمام تلك الجماهير الهادرة. إن هذه الجماهير هي التي خلعت زين العابدين بن علي، ومبارك، وعبدالله صالح، وقتلت القذافي وتحالفت مع العدو الأمريكي على إعدام صدام.

ولفت إلى أن لا يجب أن ينسى أبداً الحكماء من الحكام هذا الدرس، وليعلموا أن هذه الجموع هي مصدر قوة جماعات الإسلام السياسي بكافة فصائله، وكلما تزايدت أعداد الفقراء والمهمشين والمعدمين والمغيبين كلما ازدادت في المقابل قوة وجبروت الجماعات الإرهابية. إن استهانة رجال السلطة بالثقافة وبالقوة الناعمة أدى إلى حالة من حالات الانهيار الحضاري الشامل، لعل الإجابة عن هذا السؤال البريء البسيط يمكن أن تكشف لنا عن مأساتنا الحضارية ومدى تأخرنا: ماذا نقدم نحن المسلمون للبشرية الآن؟

أخبروني يا عقلاء الأمة ماذا قدمنا لهذا العصر؟

دلوني على اختراع وحيد أو نظرية علمية قدمها المسلمون. اذكروا لي لوناً أو جنساً فنياً كالمسرح أو السينما أو الباليه قد برع فيه المسلمون. أخبروني عن آلة تحمل بصمة العرب المسلمين.

سلطة المعرفة

إن سلطة المعرفة تؤدي إلى سلطة السيطرة. الدول التي تدير شئون الكرة الأرضية الآن هي الدول التي تملك سلاح العلم وتحترم قيمة العقل وتقدس حرية الإنسان.

للأسف أننا هبطنا إلى قاع الحضارة ومازلنا نهبط ولا خلاص لنا من هذا الانحدار والانهيار سوى إعادة الوعي للإنسان العربي. لا ريب أنه على كاهل المثقف العربي تقع مسئولية كبيرة وخطيرة، ولكن هذا المثقف مقهور هو الآخر ومهمش ومقصي من المشهد ومحاصر بترسانة من القوانين والمواد الدستورية المقيدة للحريات. والمثقف العربي يقف عارياً في مواجهة جموع الجهل المقدس، الجموع المسيسة دينياً والمؤدلجة أصولياً. وأيضاً في مواجهة السلطة التي تزيده بوقاً يُردد كالببغاء شعاراتها الديماجوجية الجوفاء.

ليس عيباً أن نقول أن البرجماتية السياسية تقتضي أن ينتبه رجال السلطة في عالمنا العربي إلى أهمية استعادة الإنسان العربي لإنسانيته المهدرة، ولن أجاوز الحقيقة لو قلت أن بقاء الأنظمة العربية على قيد الحياة مرتهن ببعث الوعي العربي واستعادة كرامة الإنسان وشرفه وحريته.

استعادة وظيفة المؤسسات المجتمعية

كما أكد على أن التزايد المتسارع لجيوش العاطلين من الشباب يُعمق الشعور باليأس وعدم الانتماء ويُلقي ببعضهم في أحضان الجماعات الإرهابية بحثاً عن بطولة زائفة أو خلاص وهمي. ويدفع بالبعض الآخر إلى تعاطي المخدرات بحثاً عن الغياب وعن الهروب من واقع لا يُطاق.

وإذا كان المجتمع المتخلف – كما يوضح (مصطفى حجازي) في كتابه عن «الإنسان المهدور»، هو مجتمع ذو نسيج قبلي يقوم على العصبيات، فإن المجتمع الحديث هو مجتمع دولة المؤسسات، لذلك لا مفر من استعادة وظيفة المؤسسات الثقافية خاصة مؤسسات التعليم والثقافة لتؤدي دورها التعليمي والتنويري لكافة الطبقات.

إن تسليع التعليم والثقافة والفنون أدى إلى تدني المستوى التعليمي والثقافي للإنسان العربي، وإلى التخلف عن ركب العلم وانحطاط الفنون وتفشي فنون البلطجة والمخدرات والدعارة المتمثلة بصورة صارخة وفاضحة في أغاني المهرجانات التي أسقطت الأغنية العربية من عرشها القديم لتحولها إلى قطعة مخدرات أو أقراص هلوسة!!

إن استعادة الكيان والهوية للإنسان العربي هي مهمة الدولة بالأساس، ودورنا كمثقفين في هذه المرحلة ينحصر فقط في التذكير ودق جرس الإنذار لتنبيه وتحذير رجال السلطة من مغبة هذا الانهيار الشامل في كل شيء. إن سلطة الثقافة في عالمنا العربي الآن لا تُمثل أي قيمة بالنسبة لمعظم من يمارسون السلطة، لذلك فإن مهمة المثقف هي إيقاظ الوعي، وعي النخبة التي تحكم، وتوعية الجماهير التي لم تتشيأ وتفقد حسها الإنساني بعد.

كلمة أخيرة:

استعادة إنسانية الإنسان العربي لا يمكن أن تحدث بدون إرضاء وإشباع حاجاته الأولية التي تخلق منه إنساناً كريماً: أن يجد المأوى والغذاء والأمان، وأن يجد أيضاً الحرية: حرية التفكير، حرية التعبير، حرية المعتقد، حرية التصرف والسلوك أو الحرية بمعناها الفردي. إن العبيد لا يمكن أن يشيدوا حضارة أو يصنعوا مستقبل وطن. المستقبل يصنعه الأحرار بسواعدهم وبفكرهم وإرادتهم.

اظهر المزيد

خاص - التنوير

رسالة الإسلام رحمة وعدل وحرية وسلام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى