الخطاب الإلهى

أستاذ فلسفة اللغة: التفكير النقدي سبيل لتغيير الفكر الديني

د. عصام عبد الفتاح: هذه الدعوة جاءت من الرئيس السيسي في موعدها 

قال الدكتور عصام عبد الفتاح عندما نتحدث عن التفكير النقدي علينا أن نتحدث عن الخطاب الديني القائم وما ينبغي أن يكون والتفكير النقدي باعتباره وسيلة للوصول إلى تغيير أو تجديد الخطاب.

وذلك كلمته التي ألقاها في مؤتمر «العقلانية والوعي والإبداع… أسلحة في مواجهة الإرهاب» الذي نظمته مؤسسة «رسالة السلام  للأبحاث والتنوير» في الرابع من شهر سبتمبر الجاري 2021.

إلى نص الكلمة:

لفظ تجديد الخطاب في علم تجديد الخطاب صعب استساغته ومسألة التجديد عسيرة عن الفهم فمن الممكن أن نتحدث عن تغير الخطاب واتجاهاته.

هذه الدعوة جاءت من فخامة الرئيس السيسي في موعدها في وقت انتشرت فيه التفجيرات والأحداث الإرهابية التي راح ضحيتها آلاف الأبرياء من النساء والأطفال وكنا نشاهد على شاشة التلفاز الجماعات الإرهابية تقطع رقاب الناس وتتهمهم بأنهم كفار.

أيضًا هناك شيء آخر قد لمسته بنفسي باعتباري أعمل في الإعلام والصحافة كمحلل سياسي، الحقيقة أن الأجانب في أوروبا مندهشون من تناقض يرونه في الخطاب الإسلامي؛ إذ أن هناك نصوص شديدة العنف بمعنى أن العقاب على الإثم غير إنساني ولا يتصورون أن هناك ديانة بمثل هذا العنف وهذا القدر المتوحش، وفي نفس الوقت عندما تقوم المؤسسات الدينية بالرد عليها فإنها تاتي بمقتطفات وأجزاء من النصوص تدعو إلى التسامح والمحبة، والأمر الذي زاد من الدهشة أن هناك تناقض.

استخدام العقل لفهم النص

وعند سؤال الدكتور سعد الدين الهلالي هل علم العقيدة استوفى الشروط؟، أجاب بنعم كالفلسفة، لأن الواقع أن الفلسفة وخاصة الجزء الخاص بالميتافيزيقا أعتقد أنه قد توقف تمامًا.

كان (كانط) قد أحدث تصدعًا عندما وضع سؤالًا مشروًعا، ينبغي أن نقيم العقل قبل أن نستخدمه لكي نعرف ما قدرتي على إدارك الأفكار الماورائية، هل باستطاعتي؟. وكان هذا الكتاب «نقد العقل الخالص» بمثابة ثورة كبيرة في الفلسفة وبعد ذلك شاهدنا مع التطور أن الفلسفة جاءت لتقدم زادًا للعلوم الأخرى بمعنى أنها العلم السائد بتسميته علم «الابستمولوجي» أي العلم المعرفي، العقل ينقلب على نفسه لكي يدرس المعرفة ومناهج العلوم. وأيضًا هناك شيء من الميتافيزيقا ولكن يختلف عن التصور القديم.

مؤتمرات المؤسسات الدينية بلا جدوى

كانت هناك دعوات من سيادة الرئيس للمؤسسات الدينية لعقد مؤتمرات وقُيد لي ان أحضر جُل هذه الاجتماعات؛ لست مدعوًا وإنما كنت مترجمًا فوريًا للإذاعات الأجنبية وقد استمعت إلى أحاديث المداخلين كلهم وأيضًا المؤسسات الموجودة؛ والذي راعني وادهشني أنهم لا يفهمون شيئًا؛ بمعنى أنهم يتصورون ان التجديد هو ارتفاع في السلم والذي أسميه بالسلم الحجاري بين درجة الاعتدال والشدة، فإذا كانت الشدة موجودة في قاع السلم فعليك أن ترتفع في السلم لتصل إلى أقصى درجة من الاعتدال لكن الآلية المنهجية واحدة، بمعنى أنه إذا جاء عصر آخر وحكومة أخرى من الممكن جدًا أن تكون الحكومة القادمة أكثر صلابة فتدعو إلى التشديد والمنهج الموجود بها يتيح هذا التشدد، فالمؤسسات لا تفهم معنى التجديد.

إذًا ما هو التجديد؟

التجديد هو أن نفهم الآلية التي تفرخ هذا العمق فننحن نعتمد على المدارس الفقهية القديمة في التفسير التي كانت منتجة ومثمرة في عصورها. لكنها لا تتفق مع تطور العصور وتطور المنطق خاصة ان الفقه في ذاته لا يقوم على المنطق، غنما يقوم على الحجاج.

بمعنى أن هناك هرم من القيم؛ الأمر يتوقف على ما هي القيمة التي تتربع على رأس الهرم؟، فلو كانت التسامح فهي التي تؤثر على باقي القيم فتأتي أحكامك متسامحة واذا كانت القيمة المتربعة هي الالتزام بالمعنى الحرفي ستأتي أحكامك متشددة.

ومعنى ذلك أن لكل رأي حجاجي تستطيع أن تفنده بأن تأتي برأي قائم على قيمة مختلفة، فمن ضمن القيم التي تشكل شق الفقه والقانون فكرة الأغلبية والأقلية، هنالك ترجيح للأغلبية والمنطق يختلف تمامًا مع هذا، فالمنطق ليس فيه أغلبية ولا أقلية، هنالك العقل، فكرة التواتر في الاحاديث هي مدهشة وغريبة لدارس المنطق؛ ولا تجرؤ أن تقول ذلك خاصة إذا كان التواتر مر بأشخاص ورموز دينية كبيرة.

استبدال التواتر بالمعقولية

أنا أعتقد أن هناك طريقًا للتجديد الديني بأن تستبدل التواتر بالمعقولية بمعنى أن هذا النص معقول، وكما أشار د. الهلالي أن النص يدور حول العقل وأن الغير مفهوم في النص تحاول أن تؤوله وتخضعه للعقل.

إذن لابد أن تغير المنهج ونموذج طريقة التفكير؛ وهيهات أن نغيرها مع وجود هذه المؤسسات التي تقدس الآليات القديمة.

الآليات القديمة مقدسة وبالتالي لا تجرؤ أن تمسها وعندما تنعقد المؤتمرات ويهلل الجميع ويقول لقد وصلنا إلى توصيات عظيمة ويكون فيها جنسيات عديدة كل جنسية تتباهى بأنها بلغت أقصى درجة في الاعتدال، ولكنك لم تجدده لأنك لم تستخدم عقلك في تغيير المنهج وهذه هي القضية الأولى.

ونأتي في النقطة الثانية وهي نقطة الخطاب والتي أود أن أقول فيها أن هناك قضية فلسفية وسؤال فلسفي لا أملك الإجابة عليه ولا يملك ذلك أحد؛ ولو أجبنا عليه نكون قد حللنا كل مشاكل الفلسفة وهو ما معنى كلمة «معنى»؟

قراءة النص

لو حاولت الإجابة على هذا السؤال فلن تستطيع، فالمعنى الحرفي في علم الترجمة سئ، وهل هناك طرق؟، هناك مدارس عديدة لكي تصل إلى علم الدلالة فهناك مدرسة قالت أننا لسنا أمام تفسير نص واستبدلنا كلمة أخرى لعلم الخطاب وهي «القراءة»؛ كيف تقرأ هذا النص؟

معنى ذلك أنني أفترض أنك تقرأ ها النص اليوم ثم تقرأه غدًا فتغير وجهة نظرك تمامًا، وأيضًا قد يقرأه غيرك، ولكي تحدد المعنى عليك أن تجيب على هذه الأسئلة: من هو قائل النص؟ وإلى من قال النص؟ ولماذا قاله؟، وباي طريقة قالها؟، هل كان يقصد السخريه؟ ومن المخاطب بالتحديد؟

كل هذه الأسئلة هل تستطيع أن تجيب عليها في نص مجزأ؟ ستقول أنك قرأت في كتب التفسير أن سبب النزول كذا وكذا، لكن هذه المعلومة المتواترة تحتاج أن تتخلى عن عقلك، فكل قراءة هي عملية إنتاج جديدة وأنت إذا ما أردت أن تقرأ النص وتفسره فأنت مقيد بالواقع الذي تريد أن تطبق عليه النص، بل أن في بعض الأحيان يخرج الخطاب تمامًا عن مراد صاحبه ويستقل.

الخطاب والواقع

فنحن أمام خطاب وواقع، والواقع في حد ذاته خطاب، فعندما تشاهد مشهدًا تليفزيونيا والضيف من مؤسسة دينية؛ المؤسسة الإعلامية تؤسس لكلامه لأنها اختارت شخص وأبلغت الجمهور بأن هذا الشخص هو العارف بالحقيقة، فإذا أردت سؤاله؛ اسأله وعندما تسأله تنهمر عليه الأسئلة وحينها تتخلى عن عقلك فهذا الرجل يمثل المؤسسة الدينية وهو الوحيد العليم بالحقيقة، ومعنى ذلك أن الإعلامة يشجع على نوم العقل؛ أن يدخل العقل في غيبوبة لا يخرج منها.

حينما تكون هناك مؤسسة للفتوى هي التي تملك السلطة لإصدار الفتوى، هي المؤسسة التي تستحوذ على العقل، وعندما سألت هل النص المقدس قانون؟ فهو بالطبع غير قانون، يأتي بأحكام عنيفة لكننا في علم الدلالة والتأويل هذا العنف هو نهر عن فعل الشيء القبيح.

فإذا أردت أن تنهر شخص عن فعل تقول له: «إذا فعلت كذا، سأقطع رقبتك» فأنت سوف لا تقطه رقبته لكنك تخوفه فقط. التخويف طريقة من الطرق ولكن معنى ذلك أن العنف لن يصل غلى هذه الدرجة.

كيف يكون تجديد الخطاب؟

هناك أيضًا نقطة أخرى وهي أننا نحاول في الوضع الحالي أن نحدد معنى الخطاب لأن هنالك دعوات كثيرة لتجديد الخطاب وحينما تنتهي مؤتمرات المؤسسات الدينية نجد التوصيات؛ ندعو إلى تجديد الخطاب، مع أننا نحن الذين دعوناكم لتجديد الخطاب فتخرجوا بنفس الكلام.

أحب أن أنهي كلمتي بأن هنالك مدارس عديدة، منها مدرسة الحجاج التي تقول أن المعنى غير ثابت أنك لا تستطيع أن تحدد معنى ثابت للكلمة، الشيء الوحيد الثابت في الدلالة هو علاقة بين شيئين، فإذا قلت أن «هذا الشخص حذِر» فالحذر علاقة بين خطر وإجراءات لتفادي الخطر إذا كان هناك خطر وأنت اتخذت إجراءات لتفادي الخطر فأنت حذِر.

إذًا، هذه هي الدلالة الثابتة للكلمة لكن المعنى مختلف والسياق هو الذي يضبط المعنى، وكلما تعددت المواقف الخطابية؛ تشحن الكلمة بمعانٍ ودلالات كثيرة، وإذا ما أردت أن أفهم نص فلا بد أن أفهمه في الوضع الحالي وإلا فإن النص لن يكون ذا جدوى.

فلابد من فهم النص ولكي أفهمه يجب أن أضعه في سياقه الذي يشكل المعنى وكلما عاودت القراءة فأنت تنتج معنى جديد، ولذلك في الفلسفة هناك قراءة جعلت من (هيجل) ثوريًا وقراءة أخرى جعلت منه خانعًا مع أن النص واحد، لكن القراءة مختلفة، فأنت لا تستطيع أن تحدد ما هي الحقيقة الثابتة.

وهناك أمر آخر ما هي العلاقة بين الثبات والمقدس؟ لماذا التغير إذن؟ لماذا لا يكون التغير هو المبدأ الوحيد الثابت؟ فأنا أتعجب مع أن الواقع متغير، وليس هناك حكم للواقع ثابت على الإطلاق ولكن هناك قيم مطلقة يمكن أن يبنى عليها.

مثلًا، عليك أن تكون عادلًا ولكن كيف ستكون عادلًا هذا متروك للواقع والسياق الذي تتواجد فيه، وهذه الطريقة التي أظن بها أننا يمكننا أن نفكر في تجديد الخطاب الديني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى