رؤى

أطروحات «المفكر علي الشرفاء» لعلاج الواقع العربي

لا يكشف الأسباب الحقيقية للظاهرة فحسب بل يقدم حلول عملية وواقعية

د.ايمن سمير

تحت عنوان «المفكر علي الشرفاء.. الواقع العربي.. العلاج والتشخيص» كتب الدكتور أيمن سمير سلسلة من المقالات في جريدة «السياسة المصرية» تناول فيها اسباب ضعف وغياب العمل العربي المشترك..

وجاء في المقال الثاني:

المؤكد أن دقة التشخيص تقود للعلاج الصحيح وأن سلامة النتائج تتوقف على إحترافية المقدمات..

وبتحليل مضمون مقالات وأطروحات وتصريحات معالي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي المدير السابق لديوان الرئاسة بدولة الإمارات العربية الشقيقة نتأكد أننا أمام «طرح متكامل» يقوم على بلورة حقيقية وموضوعية لآلام وآزمات الأمة العربية.

لكن الجديد دائمًا في أطروحات معالي الأستاذ علي الشرفاء أنه لا يكشف الأسباب الحقيقية للظاهرة فحسب بل يقدم حلول عملية وواقعية تماماً لحل هذه المعضلة أو تلك.

أسباب ضعف وتدهور الواقع العربي

وفي تحليل أسباب ضعف وغياب العمل العربي المشترك وضياع المقدرات العربية كان هناك الكثير من التحليلات والكتب حول هذه الأسباب إلا أن جميعها لم يتطرق إلى السبب الجوهري الذي تحدث فيه، وألح عليه معالي الأستاذ على الشرفاء وهو «غياب المشروع العربي» فنحن اليوم ندرك أن هناك مشروع فارسي إيراني وثان تركي عثمانلي إخواني، وثالث إسرائيلي صهيوني، ورابع إثيوبي، فأين المشروع العربي؟

بل ربما أخطر ما قاله معالي الأستاذ على الشرفاء هو أن كل هذه المشروعات الإقليمية والدولية تتصارع على أراضي وثروات «الإقليم العربي» فكيف رسمت الدراسات والمقالات الهائلة للمفكر الإمارتي الكبير معالي الأستاذ علي الشرفاء غياب هذا  «المشروع العربي» أمام المشروعات الإقليمية والدولية والمؤامرات التي تحاك ضد العرب من هنا وهناك؟

الأنانية السياسية

أكثر الأسباب التي أشار إليها معالي الأستاذ على الشرفاء وراء «غياب المشروع العربي الجامع» هو شيوع «الأنانية السياسية» في السياسة العربية، وغياب «السمو السياسي» وتغلب المصالح الحزبية والفصائلية على المصالح العربية الجامعة، ففي السياسة كما هو في الاقتصاد تتحدث كل دولة بمفردها، وهو ما يضعف موقفها أمام التكتلات السياسية والإقتصادية الأخرى، بل وتضعف أكثر عندما يكون هناك صراع مع القوى الإقليمية والدولية الطامعة والطامحة في العالم العربي، ولو أخذ العرب بحكمة «الثور الأبيض» لأدركوا وعرفوا مبكراً أن ما يحاك اليوم ضد دولة عربية شقيقة سوف يصل إلى أي دولة أخرى في المستقبل، وأن التخلي عن حق عربي اليوم سيكون مدخل لتنازلات أكبر في المستقبل.

خطة التتريك

وعندما كتب معالي الأستاذ على الشرفاء المقال الشهير «الأمة العربية والقرن الجديد» في يناير 2000 أي منذ 20 عاماً لم تكن العراق وقعت تحت الإحتلال، ولم تكن سوريا وليبيا حدث فيها ما حدث، ولم يكن التوغل التركي وصل معسكر بعشيقة بعمق 130 كلم شمال العراق وتستعد لضم الموصل عام 2023 بعد أن تلغي إتفاقية لوزان، ولم تكن خطط «التتريك» الأردوغاني في شمال سوريا بتداول الليرة التركية بدلاً من السورية.

وأصبح اليوم التعليم والمدارس وأسماء الشوارع والأطفال باللغة التركية، وهو ما يستعد له أردوغان في ليبيا، الأمر الذي يؤكد أننا اليوم في مرحلة أخطر من الاحتلال الفرنسي والإنجليزي الذي كان في القرون الماضية، وكل هذا حدث لأننا نواجه المشكلة بطريقة فردية أنانية وليس بعمل جماعي، وما كانت تحدث كل هذه الكوارث السياسية لو استمع العرب لما طرحه معالي الأستاذ علي الشرفاء منذ عقدين من الزمن.

الانكفاء على الذات

العمل العربي المشترك ينبغي أن ينطلق من مبدأ «الخروج من الذات نحو الآخر» وهو المبدأ الذي أشار إليه كثيراً معالي الأستاذ علي الشرفاء كأحد عناصر ضعف السياسة العربية، فبالرغم من أن دول الإتحاد الأوروبي التي تختلف مع بعضها في كل شيء بداية من اللغة والتاريخ وحتى العادات والتقاليد إلا أن لها سياسة إقتصادية وأمنية وعسكرية واحدة، وهو ما يعطيها ثقل ووزن في علاقاتها مع الآخرين الذين يحسبون للمصالح الاوروبية ألف حساب، وهو ما دفع كل التكتلات السياسية والاقتصادية في العالم للتقرب من الاتحاد الأوربي، فالتكامل الأوروبي هو سر القوة، والدول الكبيرة مثل المانيا وفرنسا وهولندا أخذت بيد دول كثيرة من شرق وجنوب أوروبا حتى تصل إلى المعايير الأوربية التي وضعها الآباء المؤسسون للاتحاد الأوروبي.

كما أن جميع الدول الأوروبية تنتفض عندما تتعرض أي دولة أوروبية صغيرة كانت أو كبيرة  لأي «تنمر سياسي» من جانب دول من خارج الاتحاد، ونرى هذا النموذج بوضوح في تجييش الدول الأوروبية للجيوش والقاذفات بل ونشرت دول الاتحاد 150 قنبلة نووية من طراز «بي 61» من أجل حماية أصغر ثلاث دول هي دول بحر البلطيق الثلاث ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا، ورسالتها واضحة لروسيا بأن أوروبا مستعدة لحرب عالمية ثالثة لو اجتاحت روسيا هذه الدول الثلاث الصغيرة جدًا والتي لا تقدم أي شىء سكاني أو عسكري أو اقتصادي لأكبر تكتل سياسي في العالم، لكل هذا فإن البداية الحقيقة لوجود مشروع عربي واحد هو التخلي عن الأنانية السياسية والخروج من الذات نحو الآخر.

الواقع العربي وصناعة الأمل

كعادته تتميز كل القضايا التي يطرحها مدير ديوان الرئاسة السابق بدول الإمارات بوضع المخارج والحلول التي تقوم على صناعة الأمل وليس جلد الذات، ولهذا طرح مجموعة من المسارات التي يمكن أن تشكل بداية حقيقية لمشروع عربي متكامل وهي:

أولاً: الإقرار

الاعتراف بقصور وغياب الرؤية العربية الموحدة، والتأكيد على أننا في حاجة وضرورة اليوم وأكثر من أي وقت مضى «للمشروع العربي الواحد» قبل أن يتآكل ما تبقى لنا بفعل الضغط الهائل من القوى الإقليمية والدولية على أمتنا العربية.

ثانياً : القلب الصلب

إنتظار توافق كل الدول العربية الإثنين والعشرون حول حول مشروع عربي واحد في هذا التوقيت قد يبدو رومانسياً وليس واقعاً، لأن هناك دول عربية قراراتها ليست في يدها، ولهذا علينا أن نبدأ بدول «القلب الصلب» وهي الدول التي يمكن أن تتفق مع بعضها البعض ولديها الإرادة السياسية والاستعداد الكامل للعمل على المشروع العربي الموحد، ولا يوجد قلق أو شك أن كل الدول العربية الأخرى سوف تلحق بدول القلب الصلب بعد ذلك، فالاتحاد الأوروبي بدأ بخمس دول فقط، واليوم يجمع 27 دولة بعد خروج بريطانيا، وهناك دول أخرى كثيرة في شرق أوروبا والبلقان تريد اللحاق به رغم كل ما يقال عن تعثره في أزمة كورونا.

الأخطاء لا يمكن أن تتكرر

ثالثاً : تعلم الدوروس

هناك نظرية سياسية أمريكية يطلق عليها «تعلم الدروس» وهي تقول ببساطة أن الأخطاء لا يمكن أن تتكرر، فالولايات المتحدة أخطأت مثلاً في إرسال آلاف الجنود إلى أفغانستان والعراق، اليوم لا يمكن أن يتكرر ذلك، ومنذ احتلال أفغانستان 2001، والعراق 2003 تغير أسلوب الولايات المتحدة في الحروب، وهو ما يؤكد عليه معالي الأستاذ على الشرفاء بأن أي طرح للمشروع العربي الجديد ينبغي أن يقوم تجنب أخطاء الماضي واستثارة العقل العربي للبحث عن مؤشرات مضيئة تساعد قيادات العالم العربي في وضع تصور مستقبلي لبناء النظام العربي، على أساس إمكانية استيعاب المتغيرات الدولية واستغلال قدراتنا الاقتصادية في تنمية الدول العربية والاستفادة من التجارب المريرة خلال عقود استدرجت فيها الأمة العربية لمعارك مختلفة استنزفت فيها موارد الوطن العربي دون أي عائد.

التكتيكي والاستراتيجي

هناك مثل فرنسي يقول أن كل نجاح صغير يقود لنجاح أكبر، ولتحفيز الدول والشعوب العربية للإلتفاف حول مشروع عربي استراتيجي مستقبلي يمكن أن نبدأ بالأهداف الصغيرة التكتيكية حتى يكون النجاح في هذا الهدف التكتيكي مقدمة لثقة أكبر في دعم مشروع عربي يكافىء ويعادل المشروعات الإقليمية والدولية المشبوهة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى