رؤى

أليس لهؤلاء المكرهين من سبيل؟!

التعصب والتشدد هو إحدى أدوات الإسلاميين في صراعهم ضد أنصار الدولة المدنية

عادل نعمان

التدين الشكلي والتقليدي للعوام وما يحمله عادة من التعصب والتشدد هو إحدى أدوات الإسلاميين في صراعهم ضد أنصار الدولة المدنية.. ولأن مظلتهم رحبة ومتسعة، فقد ضمت إليهم المستائين والمهمشين والمظلومين واليائسين والبائسين، وهو مكسب لو تعلمون عظيم، حتى لو كانت مهمتهم الهتاف وإحداث الصخب والضجيج عند الحاجة.

ولا أعتبر أن هناك فارقًا بين الدولة المدنية والدولة العلمانية، فهذا الخط الوهمي بينهما يمكن عبوره دون حرج أو تأفف.. ولكي تتبع الجماهير خطواتهم أينما حلوا ورحلوا، وحتى تساق وتقاد وتذعن وتستكين وتستسلم، فإن هالة القداسة والطهارة وسمات النقاوة والتميز والتفرد والتمكن وميزات الاصطفاء والتجلي التي يتشرف بها رجال الدين ويتنابزون بها على خلق الله أمر يفرضه الإسلاميون ويلزمون به العامة تارة لأنهم ورثة الأنبياء، وأخرى لأن لحومهم مسمومة فلا لمس ولا اقتراب ولا نقد.

وأظن أنه فيما مضى كان سلاحًا يصل إلى الهدف دون تصويب أو تسديد، إلا أنه بات مهددًا ألا يصيب الهدف حتى لو كان في مرمى النيران ومقيد اليدين.

ولم يقف الأمر عند سيطرة الاصطفاء والاجتباء المعنوي فقط، فلربما يهرب منها الناس ويتحايلون عليها، بل أحاطوا المجتمع من كل ركن وشارع وحارة بسياج ناعم منسوج كالحرير، وزاحموا الدولة الولاء والانتماء.

حتى أضحوا اليد العليا في العطاء والفضل، واصطف الناس في صفوف متراصة يقبلون العطايا والمنح والنعم، تمد اليد وتقدم صكوك الاستسلام، وكانوا أكثر ثناءً وحمدًا ومدحًا من الأهل الذين ربوا وأدبوا، والوطن الذي حمى وعلّم، حتى النقابات والمستشفيات والمدارس والمراكز الثقافية والفنية لم تسلم من أيديهم، أو قُلها صريحة تم احتلال العقول والبطون، فذهب الناس أينما ذهبوا، وحطوا رحالهم في أرض لم يبلغوها، وأقسموا على الطاعة دون دليل، وبايعوا خليفة بغير حساب.

وحقيقة الأمر لا عدل بين الطرفين في عرض الحجة والدليل والبرهان، أو حتى مساحة البث والعرض، ولو بلغة الإشارة، فهذا تيار حامل جارف كاسح واضع يده على مناطق النزاع كلها، يطوف ويتجول ويسيح بحرية دون حظر أو منع، ويكيل تهم الكفر جزافًا دون دليل، تسنده وتدعمه طوابير وصفوف وحوائط وقامات ومقامات، وذاك تيار محظور التجوال يتحسس طريقه بريبة.

يتقدم خطوة في المساء ويعيدونه اثنتين في الصباح خوفًا عليه، لا سند له ولا نصير، يفرض قيودًا على نفسه مخافة المطاردات والملاحقات والاتهامات، ولا يقدر على المواجهة والمصادمة حتى لو كانت دروعه من الفولاذ أو الصلب، فلربما تلين وترق وتصبح عجينة إذا خذله المجتمع وتخلت عنه الدولة الحامية، إذا كشّر التيار عن أنيابه.

ولأن التداخل والصلة وثيقة بين رجال الدين ورجال السياسة، وتسييس الدين وتديين السياسة أصبح أمرًا مفروضًا، فإن التهم السياسية أصبحت كما المخالفات الدينية وتحولت إلى محظورات ومحرمات، وأصبحت التهمة هنا أو التهمة هناك عند العوام والخواص بطعم ومذاق واحد، حتى أصبح الخروج على أولى الأمر خروجًا عن الدين وإنكارًا لما هو معلوم من الدين بالضرورة.

كمن خرج على عثمان وعلى ومعاوية وأبو جعفر السفاح، ولا يجدون حرجًا فيما يكيلون ويتهمون، ولم يقف الأمر عند نقطة «الإفاقة» أو «الريبة»، بل زادَ كل طرف وغَالَي في كسب ود الآخر ومال لصالحه كل الميل، وانحازا لبعضهما على حساب الرأي والحرية.

فما إن انتقد أحد أو استهجن أو استنكر مسألة عند أحدهما إلا ولعن عند الطرف الآخر، وليس هذا بمقبول أو معقول، فإن كان طرف منهما منحازًا بطبعه، فإن الطرف الثاني بحكم مسؤولياته يحمل ميزان العدل، ويساوي بين الجميع، ويستقيم عند الحساب، ويقسط عند الحكم.

ونأتي إلى أخطر ما في الموضوع «الانسحاب»؛ أن تنسحب كل القوى الليبرالية من المشهد وتترك مكانها الساند والمتكأ وتبرح برج المراقبة والحراسة، فتريح وتستريح، إلا أن الحياة لا تسير إلا بتعادل «الضغط»، فإن مالت إحداهما «أي إحداهما» على الأخرى، طغت وبغت أفسدت، وإن تفاوت الضغط حول البناء هدمه، وإن زال حول العقل اختل، وإن تضاءل حول السليم اعتل.

وإن تمايز في الدولة أصبحت قبيلة أو عشيرة، فماذا يصنع هذا الطرف المكره إلا السلامة من كل شر، والنجاة بجلده هو ومن معه إلى سفينة تعصمه من الغرق، وليتها سفينة نوح فربما يعود إلى الحياة بعد قرون؟!

وليس هذا في مصلحة الأمم والشعوب، فإن المزاحمة دفء، والمناولة راحة، والمقايضة ربح، والمبادلة فرز، والحوار والمجادلة تقويم وتقييم، والنقد تصحيح، وكله في مصلحة الوطن والمواطن، فما أدركها المواطن وما بلغها الوطن إلى حين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى