رؤى

أوهام العقل

ما يخرج عن حقل المعتقد الديني ويرتبط بالمعاش اليومي لا تحكمه ظروف ثابتة

Latest posts by د. عصام عبد الفتاح (see all)

تحت عنوان «أوهام العقل» كتب د. عصام عبد الفتاح مقاله المنشور في جريدة «المصري اليوم» تناول فيه أوهام العقل التي تعوق التفكير النقدي..

وجاء في المقال:

قضية تجديد الخطاب الديني، التي سال بشأنها مداد غزير، تعد من الإشكاليات التي تحيط بالعقل فيها أوهام تشل قدرته على ممارسة التفكير النقدي.

فهذه القضية تدور حول الثنائية المعروفة تحت اسم: الثابت والمتغير في الشريعة. وترتبط بالسؤال الآتي: ما المبادئ التي لا تقبل بطبيعتها أن تكون محلًا للتغيير والصيرورة والمبادئ التي يجوز عليها ذلك؟

المعلوم أن كل ما يتعلق بالعقيدة الدينية هو بطبيعته من الثوابت. فهي تمثل المطلق الإيماني الذي يسلم به الإنسان.

أوهام العقل التي تبعدنا عن التفكير

أما ما يخرج عن حقل المعتقد الديني ويرتبط بالمعاش اليومي المتغير بفعل الظروف المتغيرة، فلا يتصور أن تحكمه قواعد ثابتة دون تغيير.

بل لا يتصور عقل أن يظل نسق المفاهيم النظرية الذي تتولد عنه القواعد المنظمة للواقع بمنأى عن التغيير والتبديل، وهذا هو مفهوم الإبداع والتطور.

وقد دافع عن هذا الرأي الدكتور/ عثمان الخشت في العام الماضي أثناء سجاله مع فضيلة شيخ الأزهر. إذ شدد فضيلة الشيخ على أهمية التراث الفقهي وعزا إليه فضل وصول الحضارة الإسلامية للهند والصين، كما رأى في قضية التجديد فتنة سياسية وليست تراثية.

حديث الإمام الطيب عن تقديس التراث الفقهي

لكنه في برنامجه الذي أذيع في شهر رمضان تحت اسم «الإمام الطيب» عدل فيما يبدو عن رأيه، إذ قال في الحلقة 16 من برنامجه «من أهم العوامل التي شكلت ما يشبه العوائق على طريق التجديد هو عدم التفرقة بين ما هو ثابت وما هو متغير»،

كما أضاف قائلًا في الحلقة 18 من نفس البرنامج: «إن الدعوة إلى تقديس التراث الفقهي ومساواته في ذلك بالشريعة تؤدي إلى جمود الفقه الإسلامي المعاصر، نتيجة تمسك البعض بالتقيد الحرفي بما ورد من فتاوى أو أحكام فقهية قديمة كانت تمثل تجديدًا ومواكبة لقضاياها في عصرها».

والواقع أن التجديد ليس مجرد استبدال فتوى بأخرى أكثر ملاءمة، وإنما هو يمتد ليشمل النسق الفكري الذي يستخدم أدوات منهجية ومعرفية تهدف إلى اكتناه معاني ودلالات النصوص بما يتفق ومقتضيات العصر وتطوراته.

وهي أدوات تستخدمها العلوم الإنسانية وتعمل على تطويرها، ومن ضمنها علم التأويل. والتأويل، كما يعرّفه ابن رشد، في كتابه الشهير «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» هو: إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز.

إجماع العلماء على رأي ليس دليلًا على صحته

وبناء على ذلك يقرر صراحة في موضع لاحق: نحن نقطع قطعًا أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي، والتأويل يمتنع معه الإجماع الذي يعتبره الفقهاء دليلًا يقينيًا مقدسًا لا يجوز مخالفته، بل إن الغزالي قد كفر من يخرق الإجماع على الرغم من أن الإجماع كدليل فقهي يخالف القاعدة المنطقية التي تقول: إن إجماع العلماء على رأي ما ليس دليلًا على صحته.

كان يرى الفيلسوف الألماني كانط أن العقل حينما يقع فريسة للأوهام، فإن هذه الأوهام مردها في الواقع إلى العقل ذاته وليس إلى شيء آخر خارج العقل.

أوهام العقل تؤدي إلى الصراع مع ذاته

فالمشكلة الحقيقية تكمن في أن العقل يقع في صراع مع ذاته وليس مع الخيال، ومن ثم فإنه يتعثر في أوهام تأتيه من داخله. فقد ساد مثلا لدى عديد من المفكرين في العالم العربي الاعتقاد بأن العقل العربي لم يعرف الانحطاط والتأخر إلا بسبب عوامل خارجة عن إرادته مثل الغزو والاستعمار.. بيد أن فريقًا آخر لم يستسغ تعليق هذا الانحطاط على مشجب الغير، ورأى في هذا التفسير ضربًا من الوهم.

فكم من أمم تعرضت للغزو والاحتلال لكنها استطاعت بعد ذلك النهوض من كبوتها واحتلت مكانة مرموقة في مصاف الأمم المتقدمة!

هذا النوع من الأوهام مردود في الواقع إلى آلية ذاتية للعقل، يتحمل وحده المسؤولية عنها، خاصة حينما تكبله المحرمات فيَكُفّ عن أن يكون عقلًا نقديًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى