رؤى

أوهام القوة

الدرس الذي يخرج به الإنسان من عام 2020 أنه مخلوق ضعيف

د.محمود خليل
Latest posts by د.محمود خليل (see all)

تحت عنوان «أوهام القوة» كتب د. محمود خليل، مقاله المنشور في جريدة «الوطن» المصرية، تناول فيه وباء كورونا وعلاقته بقوة البشر ..

وجاء في المقال:

لا أذكر عاماً تعددت فيه الرسائل الدالة على «ضعف الإنسان» مثل عام 2020 الذي توشك شمسه على الأفول.

ضعف الإنسان مسألة نبَّه إليها القرآن الكريم، يقول تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا »، ويقول: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ»،

والقوة التي تقع بين ضعفين ليست أكثر من وهم.

ابتلاء كورونا عام 2020

مع مطلع الألفية الجديدة دخل العالم طوراً ومرحلة جديدة من مراحل تطوره، وبدأ التبشير بعالم جديد تحكمه التكنولوجيا، ويتباهى أهله بالقدرة على التعامل مع الكرة الأرضية ككتلة واحدة،

يندمج البشر الذين يعيشون فوقها معاً، وتذوب الحدود الفاصلة بينهم، ليصبح العالم سوقاً واحدة على مستوى الاقتصاد والسياسة والإعلام والثقافة، يسيطر عليه القادرون الذين يشعرون بفائض القوة.

ابتلاء كورونا (2020) ضرب البشرية كلها وأثبت أن كل ما بلغته من تقدم على مستوى العلوم، وما حققته من طفرات تكنولوجية، لم يحل بينها وبين الإحساس بالعجز والحيرة أمام فيروس جاء من علوم الله.

ليت الحيرة وقفت عند حد حسم مسألة الفاكسين الذي يحصِّن الشخص ضد الإصابة بالفيروس.

الحيرة بدأت ولم تزل حول طبيعة الفيروس.. فمن قائل إنه ينتقل بالاحتكاك، ومن قائل إنه ينتقل عبر الهواء، ومن قائل إنه ينتقل من الأسطح..

من قائل إنه ينتعش فى الأجواء الباردة، ومن قائل إنه يضرب فى كل الأجواء.. من قائل إن أعراضه تنفسية، ومن قائل إن أعراضه معدية.. من قائل إنه يختبئ تحت الساعات والخواتم والحلقان ونصح بخلعها.. ومن قائل إنه يختفى تحت «الهدوم»!

عجز البشر في الوصول لحقيقة الفيروس

الحيرة أيضاً ارتبطت بالإجراءات الوقائية.. فمن قائل إن إهمال الشعوب هو السبب في انتشار الفيروس..

فيرد آخرون بأن الإهمال لو كان سبباً للإصابة فعلينا أن نفترض أن «ماكرون فرنسا» و«جونسون إنجلترا» و«ترامب أمريكا» مهملون ولا يراعون رش «السبرتو» بانتظام.. وإلا كيف أُصيبوا؟!.

يحتار البشر أيضاً أمام عدد السلالات التي يسمعون أن الفيروس يتشكل ويتحور فيها.. هناك من يقول إنه سلالتان.. فيرد آخر بل ثلاث.. بل أربع.. بل بالمئات!.

حيرة جارفة ما بين قائمة اللقاحات.. فهذا صيني.. وذاك روسي.. والثالث أمريكاني.

رحلة التلقيح تبدأ سريعاً في بلاد العلم والتكنولوجيا في شمال الكرة الأرضية، فإذا بالعالم يفاجأ بسلالة جديدة ينفجر معها عدد المصابين وأرقام الوفيات.

حيرة الإنسان المعاصر كشفت مدى ضعفه.

الإنسان مخلوق ضعيف

واللافت أن «انكشاف الضعف البشري» تعاصر مع العام 2020. وهو العام الذي دأبت كل دول العالم على رسم مخططات مستقبلية له منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وحلمت كل دولة بمبلغ القوة الذي يمكن أن تبلغه مع مطلع هذا العام.

دراسات عديدة أُجريت حول عام 2020 قامت بها مجموعات بحثية في دول شتى كانت تحلم بالعالم الجديد الذي استقرت أسسه عبر العقدين الأول والثاني من القرن،

كانت تتوقع مشاهد مختلفة غير تلك التي عايشناها عبر أشهر العام، لكن رياح «كورونا» أتت بما لا تشتهيه سفينة التوقعات.

الدرس الأول الذي يمكن أن يخرج به الإنسان من العام المنصرم أنه مخلوق ضعيف.. وأي حديث عن القوة لا يعدو الأوهام.

لا حول ولا قوة إلا بالله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى