أخطاء شائعة

إرضاء المرشد والشيخ والأمير

للتقدم أو التخلف معايير علمية للتقييم ليس من ضمنها «الدين»

Latest posts by محمود العلايلي (see all)

لا يمكن لأحد أن يدعي أن الدين سبب تأخر الدول وتخلفها، كما لا يمكن لأحد أيضًا أن يدعي أن الدين سبب تقدم الأمم أو تحضرها، لأنه بديهيا فإن للتقدم أو التخلف مقومات معروفة، كما أن للتقدم أو التخلف معايير علمية للتقييم ليس من ضمنها «الدين» وإنما يمكن أن يدرج من ضمن أسباب التقدم أو التأخر «كيفية ممارسة الدين»، وكيفية ممارسة الدين هنا لا تعني قدر الالتزام بالشعائر بقدر ما تعني قدر الالتزام بالقيم الاجتماعية في غير أوقات ممارسة الشعائر.

والحقيقة أنه منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي ومع بزوغ الحركات الدينية الإسلامية التنظيمية مثل الجماعة الإسلامية والجهاد والتكفير والهجرة والتبليغ والدعوة، ومع عودة نشاط جماعة الإخوان المسلمين بشكل أكثر حرية، ثم مع بزوغ نجوم الإسلام الإعلامي مثل الشيخ الشعراوي والدكتور زغلول النجار وتبعهما شيوخ الموجة الجديدة مثل عمرو خالد ومعز مسعود ومصطفى حسني، فإن معادلة الالتزام بالقيم الاجتماعية قد اختلت لصالح التفاخر بالشعائر والتمسك بالمظهر، باتباع أسلوب الدين الذي تحث عليه الجماعات أو الذي يروج له الأفراد.

والحقيقة الأخرى أن هناك تيارات حاولت إفهام الناس أن للتقدم أسبابه غير ما يروج له هذا التيار المتوغل في كل جنبات مصر وعلى مستوى جميع شرائحها الاجتماعية، ولكن كانت هذه التيارات خفيضة الصوت أحيانًا، ضعيفة الحجة أحيانًا أخرى، وغير منظمة في كل الأحيان، والأهم أن الطريق لإجهاضها كان دائمًا سهلًا يسيًرا إما بالاتهام بالإلحاد والخروج عن الملة مؤديًا إلى الاغتيال المعنوي، واللجوء إلى التصفية الجسدية كما حدث لنجيب محفوظ وفرج فودة، أو الإبعاد كما حدث للدكتور نصر حامد أبو زيد أو التهميش لكثيرين، بالإضافة لدعوات الحسبة والسجن للبعض الآخر.

ومن الحقيقتين السابقتين نجد أن كشف الفارق الواضح بين التوجهين لا يحتاج إلى ألمعية، لأن التوجه الأول له سند من الجماعات التنظيمية، وفي أحيان أخرى من دول وأجهزة مخابراتية، بينما اقتصر التوجه الثاني على إيمان بعض الأشخاص بقيم الحداثة والتقدم وفهموا اللعبة السياسية المقصود بها هذا التوجه دون أي إرادة سياسية مساندة في وقت زادت فيه التنظيمات قوة وانتشارًا وازداد التيار الحداثي ضعفًا وتشتتًا.

والحقيقة الثالثة أن الاشتباك المقصود باستخدام الدين في السياسة، واستخدام الدين في الاستقطاب والحشد لم يقتصر على الجماعات الدينية التنظيمية وبعض الأفراد وإنما انضم لذلك المعترك المؤسسات الدينية الرسمية التي لم تترك الفرصة المواتية تمر دون استغلال الاستخدام السياسي للدين فدخل الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف في السجال الدائر، معتبرين أنهم معبرون عن الدين الصحيح من وجهة نظرهم حينا أو معبرون عن الدين الحكومي أحيانًا أخرى مما لم يترك أي مجال للنقاش في الحياه الاجتماعية للأفراد إلا للدين والدين المخالف أو المزايد عليه.

وبالنظر لخطورة هذا الوضع الذي يداري معظم النار تحت الرماد، خرج الرئيس عبدالفتاح السيسي معلنًا عن الإرادة السياسية للإدارة المصرية في مسألة التسلط الديني، مبديًا رأيه في الحرية الدينية ومعلنًا بشكل واضح موقف الدولة من حرية الفرد في اختيار دينه ومحاولة فهم ما اعتاده في السابق دون مناقشة، ثم تحدث عن احترام التنوع والتعدد والاختلاف، وذلك في مبادرة أكبر بكثير من الكلمات المعبرة عنها لأنها تيار تنويري مستند على دعم من الدولة يجب أن تشرَّع له قوانين خاصة، وأن تُلغى من أجل تحقيقه قوانين أخرى للوقوف أمام تيارات الدين السياسي بما تفرضه من محددات شكلية على المنتسبين لها، وذلك بتحرير العقيدة الدينية الشخصية من قبضة الجماعات، لتزدهر الحرية الدينية وممارسة شعائرها، ليصير الدين علاقة بين الإنسان وربه دون النظر لإرضاء مرشد أو شيخ أو أمير.

نقلًا عن «المصري اليوم»

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى