رؤى

إسرائيل والأمن العربى

الدعم الغربى ستكون له آثار بعيدة المدى على العلاقة بين الغرب والشعوب العربية

د. عصام عبد الفتاح
Latest posts by د. عصام عبد الفتاح (see all)

مما لا شك فيه أن الدعم الغربى اللامحدود لإسرائيل فى حربها على غزة ستكون له آثار بعيدة المدى على العلاقة بين الغرب والشعوب العربية.

يرى كثير من المحللين فى الغرب والشرق معًا أن الغضب العارم الذى اجتاح الشوارع العربية ضد إسرائيل والولايات المتحدة والدول الأوروبية التى ساندت إسرائيل بصورة مخزية فى تدميرها غزة بحجة الدفاع الشرعى قد ولّد لدى الرأى العام العربى عداءً ونفورًا إزاء حكومات هذه الدول، خاصة بعد اعتراض بعضها فى مجلس الأمن على الاقتراح بفرض هدنة إنسانية لإنقاذ حياة المدنيين الذين أمطرهم الجيش الإسرائيلى بقنابله.

والحق أن الهجوم الخاطف الذى شنته حماس على إسرائيل وأسرها عددًا كبيرًا من الرهائن ثم رد الفعل الانتقامى لإسرائيل على قطاع غزة وتدمير البنية التحتية للمدينة لإجبار سكانها على النزوح نحو الأردن ومصر- قد نشّط الذاكرة التاريخية العربية حول أطماع إسرائيل التوسعية، وسعيها المحموم نحو التمدد شرقًا وغربًا بكل ما أتيح لها من وسائل.

ها هى ذا قد شطرت غزة شطرين: شمالًا وجنوبًا، ورغم أنها أجبرت سكان الشمال على النزوح نحو الشطر الجنوبى، لا تزال تمطر الجنوب بالقنابل حتى تخرج سكانه نهائيًا من غزة صوب الأردن ومصر.. ومِن ثَمَّ فإن السؤال الأهم يدور حول تهديدات إسرائيل للأمن القومى العربى وآثار الحرب الإسرائيلية فى غزة على العلاقات بين العالم العربى وإسرائيل، وهو سؤال يحتل الصدارة فى مناقشات خبراء التحليل السياسى فى الإعلام الغربى، خاصة أن فكرة التطبيع الرسمى مع إسرائيل هى فى الواقع أشبه بالعلقم فى حلق الشعوب العربية.

أكدت هذه الحرب للغرب أن السلطة الفلسطينية سلطة ضعيفة، بوصفها ممثلة للشعب الفلسطينى ومتحدثة باسمه منذ هجمة حماس فى 7 أكتوبر الماضى. وبات واضحًا- وفق ما يذهب إليه المراقبون- أن نسبة الفلسطينيين المؤيدين لحركات المقاومة على أشكالها أعلى بكثير من نسبة المؤيدين للسلطة الفلسطينية. وعلى الرغم من أن الدول الغربية تنعت «حماس» بـ«الجماعة الإرهابية»، فإن عددًا لا بأس به من محلليهما المتابعين لمأساة المدنيين فى غزة بدأ يتردد مؤخرًا فى استخدام هذا النعت ويؤثر تصنيفها حركةً ضمن حركات المقاومة سلكت منهجًا إرهابيًا عندما أسرت رهائن مدنيين.. بيد أننا إذا أمعنا النظر فى وضعية إسرائيل ككيان احتل دولة عربية، وتمكن بالحديد والنار وسفك الدماء من احتلال دولة عربية، ويحاول بأبشع وسائل الإبادة محو كل وجود إنسانى أو مادى لسكانها الأصليين حتى يتسنى له بعد ذلك تمديد سيطرته فى محيطه الجغرافى، لابد من تبنى رؤية عميقة وشاملة لمصادر التهديد المحتملة، خاصة إذا ما ربطنا أحداث غزة بمشكلات إسرائيل السياسية والاقتصادية.

ينبغى أولًا التأكيد على فكرة مهمة؛ ألا وهى أن إسرائيل قد فشلت تمامًا فى خداع الشعوب العربية بأنها تريد التطبيع لتنعم بحياة هادئة مطمئنة.. بل قد يكشف الواقع أن إسرائيل تتوسل بالتطبيع لتحقيق مآرب أخرى لا تخفى على الشعوب العربية. ولننظر مثلا للاجتياح الإسرائيلى لغزة، فعلى الرغم من أن هجمة حماس فى 7 أكتوبر الماضى أحرجت حكومة نتنياهو اليمينية، فهى قد قدمت له فرصة العمر فى الانقضاض على غزة والخلاص من الفلسطينيين.

ولماذا غزة الآن؟ لأن المياه الإقليمية لغزة تحتضن فى بطونها حقول مخزون هائل من الغاز الطبيعى، وتريد إسرائيل الاستحواذ عليه كله، وهذا هو ما حدا بها فى وقت سابق إلى تقليص المياه الإقليمية التابعة نظريًّا لغزة، وتطويقها بسفن حربية مدججة بالسلاح تطلق النار على كل سفينة تحمل مددًا إنسانيًا لسكانها الذين يتضورون جوعًا تحت الحصار الاقتصادى.. وفى ذات الوقت، تمكنت إسرائيل من تكوين علاقات اقتصادية قوية مع دول كثيرة، بهدف استغلال مصادر الطاقة واستثمارها قرب سواحلها.

ولا ريب أن منطق المصلحة سترجح كفته لدى هذه الدول على حساب القضية الفلسطينية، بيد أن المشكلة الكبرى التى تعترض إسرائيل هى موقف مصر الثابت الذى أعلنه وضوح قاطع السيد الرئيس: «إن مصر لن تسمح بتصفية القضية الفلسطينية وترفض كل محاولات التهجير القسرى للفلسطينيين.

المصري اليوم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى