أخطاء شائعة

إعلام منزوع الثقافة المدنية والدينية

شيوخ الفضائيات تربحوا من إنتاج الخطاب الديني

Latest posts by د. عمار علي حسن (see all)

لا يبدو أن ما بين الإعلام والثقافة من اتصال هو أمر خفى على أحد، سواء العابر السريع أو المتأمل المقيم، فقد بَنَت هذين المسارين عبر تاريخ طويل علاقة من التفاعل القوي، ترسخت أكثر مع ثورة الاتصالات واقتصاديات المعرفة، التي حولت العالم بأسره إلى «غرفة» صغيرة، تزخر بسجال ثقافي بمعناه الواسع حول القيم والتصورات والإدراكات وطرائق العيش والمعارف الذاتية المتبادلة، وسجال عقائدي، زادت حدته مع وسائل الإعلام الجديد، وشبكات التواصل الاجتماعي التي لا تكف عن البث، بلا هوادة، وفي كل الاتجاهات.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو: أي صيغة من العلاقة يمكن أن نجدها بين هذين المسارين أو الحقول الإنسانية سواء على مستوى التفكير والتنظير أو بالنسبة للتطبيق والممارسة؟

والإجابة عن هذا التساؤل تحتاج ابتداء فحص كل مسار أو حقل منها على حدة، توطئة لاكتشاف العلاقة أو التأثير المتبادل بينها، وهنا لابد أن يكون الدين عقيدة وقيمًا وممارسات حاضرًا لأنه يتداخل مع ثقافتنا العربية في كافة مراحلها ومفاصلها. وهنا نحتاج إلى ما يلي:

أ- التفرقة بين الدين والتدين وعلوم الدين، باعتبار الأول هو النص في تجليه الإلهي، أو «الوحي» كما أُنزل وتعامل معه الناس على هذا الأساس.

والثاني هو الطريقة التي تفاعل بها البشر مع الدين، وهي إما حافظت عليه في مقصده الرئيس الرامي إلى الامتلاء الروحي والسمو الأخلاقي والنفع العام بشقيه المعنوي والمادي، أو ابتعدت به عن جوهره ومقصده ليصير «أيديولوجيا» عند مَن يتخذون من الدين إطارًا للعمل السياسي والتنافس على السلطة، أو تجارة عند أولئك الذين تكسّبوا من الأديان بدءًا من الكهنة أمام المعابد الفرعونية القديمة حتى شيوخ الفضائيات، وما بينها من أشكال لا حصر لها من التربُّح بإنتاج الخطاب الديني.

وكذلك أساطير عند مَن أفرطوا في أسطرة التاريخ الديني أو بالغوا في إضفاء الكرامة على القديسين والأولياء، أو حوّلوا الدين إلى عصاب نفسي حين سعوا إلى إيجاد مبرر ديني لعوارهم النفسي سواء المكبوت أو المُفْرَج عنه في سلوك معين، وهناك كذلك ما يحوله إلى ثقافة سائدة تتماهى مع ما هو متعارف عليه بين مختلف الجماعات البشرية.

أما علوم الدين فهي ما تم إنتاجه على ضفاف «النص الإلهي» من تفسيرات وتأويلات وفقه وفلسفة وتشريعات ورقائق ومأثورات، وهي منتج بشرى لا قداسة له فى الحقيقة، وإن كان البعض يقدسه حتى لو لم يعلنوا هذا صراحة.

ب- هناك خلاف بين مفهوم الثقافة في حقيقته وطبيعته وحسب ما انتهت إليه العديد من الرؤى والتصورات العلمية وبين المعنى المتداول على ألسنة العوام ووفق أفهامهم، فقديمًا وصفوا المثقف بأنه مَن «يقطف من كل بستان زهرة» قاصدين بالطبع بساتين المعرفة، وحديثًا أجملوا الثقافة في أنها «الكل المعقد من المعارف والأفكار والآداب والفنون»، وهناك مَن طلب إخراجها من حيز العلوم الإنسانية، ولاسيما الآداب والفنون، لتمتد إلى العلوم الطبيعية، بحيث يحمل علماؤها لقب «مثقف» أيضًا.

ويوجد مَن جعل الثقافة أبعد من هذا لأنها تعنى «طريقة العيش»، وبالتالي فكل إنسان على سطح الأرض يُعد مثقفًا، اتّكاء على أسلوب حياته. وهناك مَن يمدها أكثر لتصير هي الحضارة، ليس فقط في شقها الرمزي والمعنوي، بل في المادي أيضًا.

ج- هناك مَن يُضيِّق مفهوم الإعلام ووسائله ليحصرها فيما نعرفه الآن في زماننا من وسائل إعلام مقروءة ومسموعة ومرئية، ثم يضيف الإعلام الإلكتروني، وهناك مَن يتوسَّع بالمفهوم ليذهب إلى كل أشكال الإخبار الحديثة والعصرية والتقليدية، التي عاشت البشرية عليها ردحًا طويلًا من الزمن.

على هذا الأساس يمكن أن نفكر في علاقة الإعلام بالدين والثقافة، أوسع وأبعد من أغلب ما هو سائد أو متداول في السوق البحثية والصحفية، والذي ينظر إلى المسألة إجمالًا، خالطًا بين الدين وطرائق التعامل معه وفهمه، وبين الثقافة والحضارة وكذلك بين ما هو حقيقي فيها وما هو محض مزاعم وادّعاءات وافتراءات أيضًا.

وهنا يمكن أن نرى تلك العلاقة تقوم بالأساس على «تبادل المنافع» أو «الاعتماد المتبادل» بغض النظر عما هو أصيل فيها وما هو فرعي، أو بين ما هو خادم وما هو مخدوم.

ويُنظر إلى الإعلام في الغالب الأعم على أنه مجرد أداة أو وسيلة أو قنطرة واصلة بين منتج رسالة وبين متلقيها، وبالتالي يكون «الدين» نصًا وخطابًا وممارسة، والثقافة بمختلف ألوانها بمنزلة المضمون لهذه الرسالة، مع مضامين أخرى عديدة.

لكن الإعلام لا يقف عند حد النقل بل تفرز آلياته الذاتية مضامينها عبر علامات وشفرات ووسائل تأثير عديدة، بما يجعل بوسعه أن يتعدى مجرد المرآة العاكسة للأمور الدينية والثقافية ويزيد على كونه الجسر الرابط بين علماء الدين والمثقفين وبين الجمهور العام الذى يتابع ما ينتجونه، ويحدد من خلاله، وعبر محتويات أخرى، تصوُّره عن الذات والعالم والكون، في المستوى الأساسي والعام، إلى جانب تفاصيل عديدة متعلقة بالمعارف والقيم والاتجاهات.

ويتم التعامل مع الدين والثقافة والإعلام أيضًا، كأداة ومحتوى في الوقت نفسه، بوصفها من «البنى الفوقية» للمجتمع، والتي تتأثر بـ«البنى التحتية»، المتمثلة في الأشياء المادية، وذلك وفق النظرية الماركسية. لكن في نظري فإن الدين والثقافة يتعدى دورهما مجرد التبعية التامة للظروف والأحوال الاقتصادية إلى التأثير المستقل في تطور المجتمعات الإنسانية.

نقلًا عن «المصري اليوم»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى