رؤى

إمارات داعش الجديدة في قلب أفريقيا

تأسيس أربع ولايات يرجح أن تمثل بؤرة الأحداث والتحركات الإرهابية القادمة

تنظر العديد من مراكز الفكر والأبحاث، التي تعني بالشأن الأمني الأفريقي، بالقلق البالغ إزاء الأنباء المتواترة من دول الساحل، بعدما أعلن عن مقتل القيادي «أبوبكر الشكوي» وما استتبع ذلك من تداعيات.

حيث يبرز الأهم منها أن تنظيم «داعش»، ولاية غرب أفريقيا، كان وراء هذا المتغير، الذي ما زالت أصداؤه تتردد حتى الآن، رغم أن عملية تصفية أخطر القادة التاريخيين لجماعة «بوكو حرام» وقعت مايو الماضي، إلا أن ترتيب الأوراق والتموضعات الجديدة تسير على قدم وساق طوال تلك الشهور وحتى الآن.

هذا ما دفع معهد الدراسات الأمنية (INSTITUTE FOR SECURITY STUDIES)، المعروف اختصارًا بـISS، لأن يطلق رسالة تحذير مفادها أن على الدول الأفريقية التحرك بسرعة لوقف إعادة هيكلة «ولاية غرب أفريقيا»، التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في حوض بحيرة تشاد. فالمركز وفق تقدير باحثيه والرصد الميداني على الأرض يرى في حال لم تقم الدول المعنية بذلك، فإن خطط تنظيم «داعش» للتوسع في المنطقة ستعرض حياة ملايين الأفارقة للخطر!

لا توجد مبالغة في هذا التحذير، الذي يبدو يلامس الواقع لحد كبير، حيث سبق لنا في المقال السابق من هذه السلسلة أن لفتنا الانتباه إلى المشروع التوسعي الذي صدر به قرار من قيادة التنظيم لصالح ولايته الأفريقية الغربية، حيث دفع الأخيرة إلى الإعلان عن تأسيس أربع ولايات تتمركز حول المناطق المحيطة بـ«بحيرة تشاد»، التي ستعطي لها ميزة استخدام وتهديد أكثر من دولة من المتشاطئين عليها، والتي يرجح أن تمثل بؤرة الأحداث والتحركات الإرهابية القادمة.

هذه الأجندة التوسعية بدأت قبل انحسار التنظيم في سوريا والعراق، حيث كانت حينها مأخوذة ومدعومة بألق تفوق التنظيم واستقراره فيما يشبه «الدولة» وعاصمتها مدينة «الرقة» السورية.

عملية إزاحة «أبوبكر الشكوي» تفسر أن التنظيم كان يلزمه السيطرة على منطقة «غابات سامبيسا»، التي ظلت لعقود هي معقل الشكوي وملاذ تنظيمه الآمن فيما يخص الأفراد أو العتاد، ودون السيطرة على هذه الغابة الكثيفة لم تكن لأجندة التنظيم أن ترى النور أو تتمكن من الاستقرار حول «البحيرة».

المعهد الأمني الأفريقي يقدم توصية مهمة، ترتبط بدعوته إلى الإسراع بالتحرك من أجل استغلال فترة عدم الاستقرار التي ما زالت فيها الأوضاع لم تستتب، في ظل ما واجهه التنظيم و«بوكو حرام» من حالات انشقاقات وتغيير في القيادات الميدانية، ما يسمح في حال تحركت القوات العسكرية والأمنية لدول الساحل وحلفائها من القدرة على شل مؤقت لفعالية تلك الأجندة التي تسابق الزمن.

تعمل الأخيرة جغرافيًا في الوقت الراهن، فضلًا عن منطقة «غابات سامبيسا» أيضًا، في غابة تمبكتو وتومبوما، ومجموعة من الجزر في بحيرة تشاد، هذه المناطق بدأت تظهر فيها ملامح للولايات الأربعة التي اعتزمت ولاية غرب أفريقيا تدشينها، ورغم أن جميعها حتى الآن في (ولاية بورنو)، معقل القائد الجديد والمُكنى باسمها «أبومصعب البرناوي»، إلا أن لكل مجموعة منها قيادتها شبه المستقلة.

وهذا القرار التنظيمي ببعض من الاستقلالية لهذه المجموعات يوفر من الناحية التكتيكية قواعد عملياتية قادرة على توسيع أنشطتها لتشمل مناطق أخرى من الشمال الشرقي لنيجيريا، وتسمح لها باختراق قادم إن لم يكن قد جرى بالفعل لكل من تشاد والنيجر والكاميرون.

في الوقت الحالي تنتهج ولاية غرب أفريقيا بعضًا من استراتيجيات تنظيم «داعش» الأم، ما يعتقد أنها كانت سببًا جوهريًا في تفوقه، ترتكز بصورة رئيسية على مجموعة من الإصلاحات بغرض إرضاء مقاتليه وتأمين ولائهم، خاصة في ظل الانشقاقات والتشظي الذي بدأ مع الصراع فيما بين جبهة الشكوى وفصيل البرناوي، واستتبعته حالة عدم يقين منذ مقتل «الشكوي» حول خطط المستقبل الغامض، في ظل رغبة «داعش» المحمومة على إعادة كاملة لترتيب أوراق العمل والانتماءات بصورة جديدة تختلف كليًا عن موروث «بوكو حرام» المستقر.

لذلك تذهب الاتجاهات للولاية الجديدة في علاج بعض من أخطاء ومسببات الاحتقان، مثل ضمان معاملة منصفة لعناصره من قبَل القادة الميدانيين، ودخول الحافز الاقتصادي باعتباره الأهم في الوقت الراهن حيث إشراك المقاتلين في غنائم الحروب والغارات التي يقومون بها، كونها أهم مفاتيح النجاح في الجبهة الشرقية وظلت في عهد «بوكو حرام» من أكثر النقاط الخلافية التي سادت لسنوات، وسط بيئة مجتمعية فقيرة وقليلة الموارد بالأساس.

تسعى ولاية غرب أفريقيا أيضًا إلى تأمين محيطها السكاني، عبر اعتماد إصلاحات تشمل إضفاء الحماية على المدنيين من سكان المناطق التي تسيطر عليها، والدخول إلى نموذج الاشتراك في تنمية الاستثمار المتبادل ما بين التنظيم والأهالي، عبر نشاط يتركز على دعم سبل العيش المحلية وتأمين وصول الخدمات إلى المناطق المعزولة بشكل مستقر، يسمح في مرحلة لاحقة من تحصيل الضرائب التي تضفي شرعية على نشاط الولاية في الحماية والإدارة.

ومن أجل الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف «المستنسخة»، يواصل التنظيم مهاجمة المبادرات الإنسانية والنشاط الإغاثي الحكومي والدولي، فضلًا عن قتل وخطف العاملين في المجال الإنساني ونهب وحرق مقارهم ومكاتبهم، أدى ذلك خلال عام واحد مضى إلى زيادة أعداد النازحين من مناطق عيشهم التاريخية بنسبة 50% تقريبًا، غالبيتهم من الإناث صحبة أطفالهم، لا سيما في مناطق شمال شرق نيجيريا التي شهدت فصول ما سبق ذكره من اقتتال وصراعات نفوذ وهيمنة ما بين «بوكو حرام» و«ولاية غرب أفريقيا». فولاية «بورنو»، التي يتخذها الأخير أول معقل مستقر على أراضي تلك البلدان الشاسعة، صدر مؤخرًا تقرير دولي بشأن أوضاعها الإنسانية المهددة التي وصلت إلى اعتبار 25% من أراضيها غير قابلة للدخول إليها، بسبب عامل الأمن المفقود الذي قطع ما بينها وبين المركز في لاجوس العاصمة، لتوصف بالمنطقة الأكثر تضررًا والمرشحة بقوة للانفصال الكامل.

هكذا يخطط «داعش» ويعمل بنظرية «الأرض المحروقة» التي يمكنه من استثمارها لاحقًا، تحت سطوته ووفق عقائد إدارته ومستهدفاته من هذه المنطقة وما حولها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى