أخطاء شائعة

ازدراء الأديان والحبس في قضايا النشر

ارفعوا هذه القوانين عن كاهل الناس، أو ضعوا تعريفًا واضحًا محددًا

ويشدني البعض من القراء الأفاضل إلى أسوار شائكة أحاول جاهدًا ألا أقترب منها الآن، فتعجل بالاشتباك ثم العزل والإزاحة، وأكون قد بلغت نهاية قبل موعدها.

إلا أن بعضًا من الشجاعة تفرض نفسها من وراء حجاب، وكما تبدو باهتة من خلف أستاره، إلا أنها تستدعي أحيانًا عيون المتطفلين.

ولا أطيل عليكم «وأرجو أن تفهموني» وندخل إلى الخطوة الثالثة في بناء الدولة (المدنية الديمقراطية الليبرالية): تنص المادة 98 من قانون العقوبات المصري على أنه «يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تتجاوز خمس سنوات، أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تتجاوز ألف جنيه، كل من استغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأي وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو التحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الضرر بالوحدة الوطنية أو بالسلم الاجتماعي» إلا أن مادة الازدراء هذه قد طالت القريب قبل الغريب، واكتوى بنارها المحبوب و«فلت» من لهيبها المطلوب، واعتل بها السليم ولم يبرأ منها السقيم.

وهي إما في يد جاهل يطارد بها أصحاب الرأي والفكر ببلاغات ودعاوى كيدية، أو بيد مسؤول يطارد بها المعارضين حين يضيق صدره بالمعارضة، بالضبط كتهمة التكفير والزندقة التي طارد بها الخلفاء أصحاب الفكر والرأي، لا فرق عندى بين تهم الازدراء وتهم التكفير، التهمة الأولى سوط في يد حاكم أو جاهل، والتهمة الثانية سيف في يد خليفة أو ظالم، وكلهم (أضلونا السبيل).

ثم ما هذا التعريف المطاطي (ازدراء وتحقير الدين) أليس هذا تعريفًا «جيلاتينيًا» «هلاميًا» أبعاده تضيق وتتسع على هوى صاحب القرار، إذا أراد «تلبيسها» لصاحبنا وعلى مزاجه، أما إذا كان «سلفي الهوى والثقافة» فقل يا رحمن يا رحيم على الجميع، فالازدراء والتحقير حق للمسلم على أصحاب الأديان الأخرى، بل هو مأمور أن يعلن هذا التحقير وهذا الازدراء ويثاب عليه.

وخذ هذه فتوى ابن تيمية (وجوب إهانة الكافر ومقدساته لأنه عدو الله، ومقدساته باطلة)، ويخرج أخونا المسلم المتهم من مكتبه منتصرًا عزيزًا وربما يتحمل المجني عليه أتعاب المحاماة، أو يواجه تهمة إزعاج السلطات، أما غير المسلم فيا هول ما يلاقي ويكابد، فقد وصل إلى حبس أطفال بتهمة ازدراء الدين.

فلا تعريف محددًا قاطعًا مقنعًا لازدراء الدين، ولا عدل بين أصحاب الأديان، بل رماها المشرع في حجر من يحكم، وأصبح للهوى والثقافة والمذهبية الأمر والنهي والحكم، والانحياز أصبح أمرًا مقضيًا.

أما عن المادة 160 من قانون العقوبات المصري (مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد يُعاقب بالحبس مدة ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه كل من شوّش على إقامة شعائر ملة أو دين أو احتفال أو رموز أو أشياء أخرى لها حرمة عند أبناء ملة أو فريق من الناس)، وأشهد الناس شهادة حق، إنها لم تمر يومًا على من حاصر أو شوّش أو منع شعائر الغير، ولم تردعه أو تمنعه حين تجاوز هذه الجريمة إلى التهجير والسلب والنهب.

ارفعوا هذه القوانين عن كاهل الناس، أو ضعوا تعريفًا واضحًا محددًا للازدراء، وعقوبة صارمة لكل من ينتهك حقوق الغير في ممارسة شعائره، سواء كانت أديانًا سماوية أو غير سماوية، تسرى على الجميع دون مجاملة.

أما عن الحبس فى قضايا النشر، فإن الدستور ينص (ولا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التى تُرتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد، فيحدد القانون عقوبتها).

هذا هو دستورنا العظيم أبو القوانين، تخذله الأنظمة وتستهين به وتهينه وتزدريه جهارًا نهارًا، تمنع وتحاصر وتقيد وتحبس، فيحرك دعاوى الحِسبة كل من هبّ ودبّ، ويرفع قضايا الازدراء والتحريض على الفجور كل من أراد الشهرة من هنا وهناك، وأصبح الجميع، السايب والمربوط، مهددين في يومهم وغدهم إن قالوا أو كتبوا أو اعترضوا، والغريب أنه يتناقض مع الدستور كما ذكرنا سلفًا.

وما كنت أزعم يومًا أن هذا الواجب الذي ألزمه الدستور على المشرع من تعديل هذه القوانين المقيدة للحريات، حتى تتفق مع نص الدستور، وكما جاء في متنه، قد مر بسوء نية وقصد، إلا حين تمر كل هذه السنوات دون تعديل، والكل يصرخ من حولنا مطالبًا بتنفيذ ما جاء في الدستور.

المعادلة بسيطة ولا تستحق كل هذا العناء، الدولة «المدنية الديمقراطية الليبرالية» هي اختراع علمى حديث، يأخذ به العالم للوصول إلى الرفاهية ويحقق التنمية المستدامة.

تتطور النظرية وتنمو والعالم معها يطورها ويستجيب لها يومًا بعد يوم، من أنكرها كمن أنكر معلومًا من العلم بالضرورة، وكمن أنكر الذهاب إلى الطبيب للعلاج، أو إلى المهندس للبناء، أو رفض ركوب الطائرة واكتفى بركوب الدواب.

من أراد العمل بها فعليه أن يرتب بيته لهذا الوافد الجديد، ويلتزم بما يقرره المنهج العلمي السليم، ويقر بالتعديلات المطلوبة في الدستور والقانون ومنهج الحكم، (الدولة المدنية هي الحل) الأسبوع المقبل.

نقلًا عن: المصري اليوم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى