رؤى

الأسباب العميقة

ارتداد العقل العربي على عقبيه إلى الماضي لتقديس آثار الأسلاف

Latest posts by د. عصام عبد الفتاح (see all)

أسئلة كثيرة تراود الباحثين في ظاهرة الانفجار الموسع للعنف الأصولي في مناطق عديدة من العالم خلال عام 1979 تحديدًا.

وقد أثارت هذه الظاهرة اهتمام الباحث الفرنسي «إيفونيك دونويل» المعروف أصلًا بدراساته حول تاريخ الحروب السرية في مناطق العالم. إذ تحدث عن موجة العنف الدموي الأصولي الذي اجتاح العالم في هذا العام، في كتابه المعنون بالدم الأحمر «عام 1979. الحروب السرية في الشرق الأوسط».

فمن اندلاع الثورة الإسلامية في إيران وعودة الخميني إليها من منفاه في باريس، وهيمنة النزعة الأصولية المسيحية على الإدارة الأمريكية لكارتر التي ساندت الثورة الإيرانية المعادية للشيوعية وحركة طالبان بهدف دحر الغزو السوفيتي لأفغانستان، الذي وقع في نفس العام، إلى حادث اقتحام مجموعة مسلحة من الشباب الإيراني السفارة الأمريكية في طهران واحتجازهم 52 رهينة من موظفيها ودبلوماسييها لمدة 444 يومًا في ذات العام، وتوقيع السادات على معاهدة كامب ديفيد وانقلاب الإخوان المسلمين عليه وتخطيطهم لاغتياله، وحادث اقتحام جهيمان العتيبي بمجموعته المسلحة الحرم المكي، وإعدام رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار على بوتو على يد الجنرال ضياء الحق الذي استولى على السلطة، وشرع في أسلمة المجتمع الباكستاني. كل هذه الأحداث الإرهابية وقعت في عام 1979.

هناك بلا شك مؤلفات قيمة عربية وأجنبية تناولت تاريخ العنف الأصولي المتأسلم، وحاولت ربطها بتطور الأحداث السياسية في الشرق الأوسط، وكثيرًا ما كان الباحثون يركزون في تفسيرهم لظاهرة الانفجار الأصولي على دور العوامل الديموجرافية والاجتماعية والاقتصادية في انتشار الموجة الأصولية وتمددها.

ولا ريب في أن التزايد الرهيب في معدل السكان، وتشكل الشريحة الأكبر منه من الشباب الذي لا يجد أغلبه عملًا فيمضي جل وقته في المقاهي، يشكل ظروفًا ملائمة لوقوع الكثير منهم في براثن الفكر الأصولي.

بيد أن هذه العوامل، على أهميتها، توفرـ لو استعرنا لغة المتكلمين ـ المناسبة الملائمة للانفجار الأصولي دون أن تكون السبب العميق وراءه، وهو السبب المرتبط بما يطلق عليه في علم المعرفة (الابستمولوجيا) اصطلاح «الفضاء العقلي» أو «النظام الفكري». والمقصود بالنظام الفكري الطريقة التي تتصور بها البشرية نفسها والعالم الذي يحيط بها وفقا لإمكاناتها الثقافية والحضارية والعلمية في فترة تاريخية معينة.

للنظر مثلًا إلى تطور الفكر الإنساني عند نشوء الحضارة اليونانية، وبالتحديد منذ القرن الخامس قبل الميلادي لماذا؟، لأن القرن الخامس الإغريقي يمثل انعطافًا خطيرًا في تاريخ الحضارة الإنسانية برمتها.

فقبل هذا التاريخ كان التراث الأسطوري والتراجيدي مهيمنا على العقول، وكانت الثقافة السائدة هي ثقافة الشعر والأساطير، وما إن حل القرن الخامس قبل الميلاد حتى بدأ العقل الإغريقي يتخلص شيئًا فشيئًا من الفكر الأسطوري ويؤكد سيادته أمام الظواهر الطبيعية، فشرع يفسرها بصورة علمية، محاولًا ردها إلى علل طبيعية واقعية ثم بدأ يؤطرها ويصوغها في نظريات رياضية وهندسية في شكل معادلات يطورها على غرار ما فعل فيثاغورس وأرسطو.

ولم يقتصر الفكر الفلسفي على دراسة الطبيعة، وإنما استدار نحو الذات الإنسانية والأخلاق اقتداء بعبارة سقراط «اعرف نفسك بنفسك»، ثم تولت الحضارة الإسلامية بعد ذلك ترجمة التراث الفلسفي الإغريقي وانكب عليه فلاسفتها الكبار ليطوروه ويشيدوا عليه مذاهبهم الفلسفية وبلغت الحضارة الإسلامية في عهدهم أوج ازدهارها، وما كان لأوروبا أن تعرف شيئا عن الحضارة اليونانية إلا بفضل الحضارة الإسلامية. وحينما حل القرن الثالث عشر الميلادي دخل العالم العربي في حقبة زمنية مختلفة تمامًا عما سبقها وهي الحقبة التي اتسم الفضاء العقلي فيها بانتكاس العقل وسيادة الفكر الأصولي وتجذره في الثقافة والفكر.

وبينما تمكنت الحضارة الغربية من الانتقال من حقبة الفكر القروسطي إلى الحداثة بفضل المنهج التاريخي النقدي الذي يؤول النصوص والأحداث مستعينًا بسلطان العقل النقدي، ويستبدل بالمركزية اللاهوتية مركزية الإنسان في دراسة الكون، ارتد العقل العربي على عقبيه إلى الماضي لتقديس آثار الأسلاف والتبرك بتراثهم، فنشأت وترعرعت في ظله الأصولية الدينية معادية لكل حضارة إنسانية.

نقلًا عن: المصري اليوم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى