رؤى

الأسطورة في الخطاب الإسلامي (1)

هذا التراث يتم التعامل معه فقط بحساسية مفرطة وعبر رؤية أحادية

د. حسن حماد

إن الأسطورة تلعب دورًا سحريًّا في كافة أيديولوجيات الأديان الإبراهيمية وهي تمثل العصب الفكري لكافة أشكال اللاهوت السياسي في هذه الأديان.

ومن الإنصاف أن نذكر أن الإسلام يتضمن في بنية تكوينه وعناصره قدرًا عاليًا من الفكر الأسطوري، فالأسطورة ماثلة في كافة التفاصيل الصغيرة والكبيرة لحياة المسلم سواء في النوم أو اليقظة أو القيام أو القعود، أو الأكل أو الجنس، أو الضحك، أو البكاء، أو الحلم، أو الواقع، أو في أداء الطقوس، أو ممارسة الحياة اليومية والسياسية.

البعد الغيبي في أيديولوجيات الأديان

البعد الغيبي كامن وماثل ومحايث في كل هذه التفاصيل الدقيقة ينظمها ويؤطرها ويقولبها ويمنهجها وفقًا لسلطته وسلطانه. فمثلًا يؤمن كثير من المسلمين بأنهم ليس لهم حرية التصرف حتى في أجسادهم، فهذا البدن ليس ملكًا لهم ولكن ملك لخالقه. وفي هذا السياق فإن كل أفكار الإنسان وتخيلاته وقراراته وتصرفاته وأفعاله ونواياه ما ظهر منها وما بطن مكشوف تمامًا أمام قدرة الله الفائقة الخارقة لأن الله يراك وأنت لا تراه.

هكذا يعتقد المسلم مثلما يؤمن بأن ملاك الخير (الذي يجلس عن يمينه) يحصي ويدوّن كل الأفعال الخيرة الطيبة، وملاك الشر (الذي يجلس عن يساره) يدوّن ويحصي كل أفعال الشر والرذيلة. إن اليمين في الإسلام يرمز للمقدس والخير، في حين يرمز اليسار للمدنس والشر.. وهكذا فإن الأفكار والكلمات والأمكنة والأزمنة والجهات والشخصيات والأحداث تكتسب في سياق الفكر الأسطوري سمتًا قداسيًا خاصًا.. ولذلك لا انفصال بين الأخلاق والسياسة في الخطاب الإسلامي، ولا انفصال بين الدين والحياة ولا بين الدين والسياسة.

تعريفات الأسطورة

وللأسطورة تعريفات ومعاني كثيرة، لعل أكثرها تداولًا وانتشارًا أن الأسطورة قصة خيالية أو رمزية يعتقد أنها حدثت في زمن موغل في القدم، أو اللا زمن، أو زمن غير معروف أو محدد. ورغم وجاهة هذا التعريف إلا أنني أعتقد أن الأسطورة يمكن أن تكون أيضًا قصة واقعية حدثت بالفعل، لكن تم أسطرتها وعزلها عن سياقها التاريخي الواقعي وإحاطتها بهالة من التحريم والتبجيل والتقديس بحيث تبدو وكأنها تنتسب لأصل إلهي.

هكذا نتعامل نحن المسلمون مع تراثنا وتاريخنا الإنساني بدءًا من مولد الرسول محمد ومرورًا بسيرته وبالوحي وبالإسراء والمعراج وغزواته والحروب التي تلت موته، خاصة حروب الفتنة الكبرى، وعصر الخلفاء الراشدين وما بعدهم… في كل هذا نحن لا نقرأ تاريخًا بشريًا ولكننا نقرأ تاريخًا مقدسًا لا ينبغي نقده أو تأويله أو إخضاعه للتحليل التاريخي أو التعبير عنه بطريقة فنية وإبداعية. لا إن هذا التراث يتم التعامل معه فقط بحساسية مفرطة وعبر رؤية أحادية، جمودية، طقوسية، اصطفائية، مثالية، تقديسية… إلخ.

التاريخ الإسلامي تابوه مقدس

وفي ظل هذه النظرة التحريمية للتاريخ الإسلامي يتحول هذا التاريخ إلى تابو، إلى مقدس، إلى سيرة ملحمية أسطورية لا تنتمي للتاريخ البشري بكل نواقصه وهفواته وخطاياه. وليت الأمر يقف عند هذا الحد إذ تمتد هالة التقديس والتحريم لتطال كل من يتحدث باسم النص المقدس سواء كان هذا النص هو القرآن أو الأحاديث المروية عن الرسول، ولذلك فقد تحولت بعض الشخصيات الدينية المعاصرة إلى رموز مقدسة، ومعصومة من الخطأ، وبهذا المعنى فقد تعامل المسلمون مع الشيخ الشعراوي بوصفه الإمام الذي بعثه الله ليُجدد دين الأمة، مصداقًا لقول الرسول: «يبعث الله على رأس كل مائة سنة، من يُجدد لها دينها»!

على أية حال فإن الأساطير تتسم عن غيرها من الأفكار العقلانية بأنها أكثر قدرة على التعايش مع الأحداث المتغيرة، وعلى الرغم من أنها تحكي تاريخًا مقدسًا إلّا أنّها تتسم بقدر عالٍ من المرونة، بحيث يسهل استدعاؤها واستحضارها في أي لحظة مهما بلغت الأسطورة من القدم والنسيان.

وللحديث بقية..

نقلًا عن «جريدة الوفد»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى