الأعياد فرصة لنشر ثقافة السلام والوئام بين الشعوب
الأعياد في جوهرها، لا ينبغي أن تكون مجرد احتفالات دينية تقليدية نمارسها ثم ينفض كل منا الى شؤونه الخاصة. بل ينبغي أن تحمل رسالة إنسانية أعمق: ومن ذلك الحرص على المغفرة بين الجميع والتراحم والصفح، وإعادة وصل ما انقطع بين الأرحام والأصدقاء؛ وإشاعة روح السلام والتسامح بين البشرية جميعا.
في عيد الفطر مثلًا، تتجلى بوضوح معاني التسامح والتكافل، لأن كلا منا يخرج من عبادة الصيام بقلب أكثر نقاءً وروحانية واستعدادًا للعطاء. وكذلك في عيد الأضحى، تتعزز قيم التضحية ومشاركة الآخرين، لا سيما الفقراء والمحتاجين.
كذاك الحال في عيد الميلاد المجيد، نجد رسالة المحبة والسلام التي بُعث بها السيد المسيح، وهي رسالة تتجاوز حدود الزمان والمكان لتخاطب الإنسانية جمعاء.
من هنا، أرى أن تتحول هذه المناسبات من احتفالات فردية أو مجتمعية تقليدية إلى منصات عالمية لنشر ثقافة السلام. وهو ما يتحقق عبر عدة مسارات؛ أولها الخطاب الإسلامي المستنير، حيث يقع على عاتق العلماء والدعاة إبراز البعد الإنساني المشترك في الأديان، والتأكيد على أن الاختلاف لا ينبغي أن يكون سببًا للصراع، بل مدخلًا للتعارف والتكامل.
أما المسار الثاني، فهو الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني وفي المقدمة منها مؤسسة رسالة السلام التي نتشرف بالانتماء إليها، لذلك علينا القيام بدورنا للمساهمة في تشكيل الوعي الجمعي. وأن نسلّط الضوء على قصص التعايش والتسامح بين الشعوب، ونروّج لمبادرات السلام. كما يمكن للمنصات الرقمية أن تؤدي دورًا محوريًا في ربط الشعوب ببعضها البعض عبر حملات عالمية تحمل رسائل إنسانية مشتركة.
ويأتي المسار الثالث في صورة مبادرات عملية، كاستثمار فروع مؤسسة رسالة السلام حول العالم في تنظيم لقاءات ثقافية عابرة للحدود، أو حملات تضامن مع ضحايا الحروب، أو برامج تبادل إنساني تُقام بالتزامن مع الأعياد. فحين تمتد يد العطاء من شعب إلى آخر في هذه الأوقات الرمزية، فإنها تحمل دلالة مضاعفة، وتؤكد أن الإنسانية قادرة على تجاوز خلافاتها.
إن العالم اليوم، وهو يرزح تحت وطأة الحروب والنزاعات والأزمات، أحوج ما يكون إلى استثمار هذه اللحظات المضيئة في حياة الشعوب. فالأعياد ليست فقط مناسبة للفرح، بل فرصة لإعادة تعريف علاقتنا بالآخر، على أساس الاحترام والمحبة والتعاون.
وفي الختام، يمكن القول إن السلام لا يُفرض بقرارات سياسية فقط، بل يُبنى في القلوب أولًا، ثم ينعكس على السلوك والمواقف. وإذا نجحنا في تحويل الأعياد الدينية إلى جسور للتواصل الإنساني، فإننا نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو عالم أكثر أمنًا وعدلًا، تتلاشى فيه حدود الكراهية، وتبقى فقط لغة السلام.





