أخطاء شائعة

الأفكار و«المخالب»

تربية وتطوير العقل تجعله يستطيع التمييز بين الغث والثمين من الاتجاهات

Latest posts by د.محمود خليل (see all)

كلما قرأ البعض عن حادثة غريبة أو جريمة عجيبة أو سلوك يشذ عما نعرفه عن مجتمعنا المصري أخذوا يسألون: كيف يمكن أن نواجه هذا الخطر؟. من حيث إن هناك تحولات خطرة تظهر في الواقع فهذا أمر واقعي ملموس، وهي تحولات تكمن في جوهرها حول فكرة «إخراج المخالب».

أسرع ما يفعله بعض الأفراد فى مواجهاتهم اليومية مع غيرهم هو إخراج المخالب، ونشبها في رقاب بعضهم البعض. أمام أصحاب المخالب يقبع آخرون طيبون يمثلون غالبية البشر الطبيعيين الذين يسعون في الشارع المصري، لكن المشكلة أن أدوات تصوير الواقع تجد مادة شيقة وأكثر إغراءً لدى «أصحاب المخالب»، يظهر لك ذلك بوضوح في تريندات السوشيال ميديا، والأخبار المتداولة على المواقع، وكذلك داخل بعض الأعمال الدرامية.

العنف والواقع

العنف حالة من حالات الواقع وليس الواقع كله، لكنه يمثل المادة الأساسية التي تعتمد عليها أدوات تصوير الواقع، وهو أيضاً الحامل الموضوعي للمحتوى الذي يجد أكبر قدر من التفاعل من جانب جمهور هذه الأدوات. العنف في النهاية سلوك تغذيه معتقدات واتجاهات. كل شيء في هذه الحياة أساسه أفكار تسكن العقل، ونوازع عاطفية تسكن الوجدان.

أواخر الثلاثينات وخلال حقبة الأربعينات طفت على سطح الواقع في مصر العديد من الأفكار التي مثلت في نظر بعض المحافظين خطراً على المجتمع المصري مثل الأفكار الوجودية والعدمية وأفكار اللا دينيين، والأخطر الأفكار الفاشية التي ارتبطت بصعود هتلر في ألمانيا وموسوليني في إيطاليا.

كل عصر وكذلك كل جيل غالباً ما يواجه تحولات سلوكية تغذيها أفكار يصفها محافظوه بالخطرة، لكن أساليب التفاعل معها هي التي تختلف من فترة إلى فترة ومن جيل إلى جيل.

 السلوكيات والأفكار في الثلاثينات

على سبيل المثال عالج نجيب محفوظ السلوكيات والأفكار التي تفاعلت على مسرح الحياة في مصر الثلاثينات عبر روايته القاهرة الجديدة (القاهرة 30) مستخدماً رؤية بانورامية صورت الواقع بكل تفاصيله وبعيداً عن أي نوع من الانتقائية التي تقعر تفصيلة ما فتضخمها، أو تحدب أخرى فتحجمها.

قدم الروائي الكبير شخصية محجوب عبدالدايم «العدمية» التي تتبنى فلسفة «طز» ولديها استعداد لوطء جميع القيم فى سبيل تحقيق مصالحها، وشخصية الصحفي أحمد بدير التي تتبنى فلسفة براجماتية واضحة في التعامل مع الواقع، وشخصية على طه الرومانسية الحالمة التي ترى الواقع من خلال الأفكار النبيلة لـ«سان سيمون»، وتدافع عن حق الفقراء في الحياة، حتى ولو استخدمت العنف في سبيل ذلك، وقدم شخصية «مؤمن» الذي وجد خلاصه من هذا العالم الصاخب في الدين، ولم يتردد هو ومن آمن بمثل ما آمن به أن يحوله إلى أيديولوجية سياسية يعارك بها في سوق الفاشية.

تحصين المجتمع ضد الأفكار الشاذة

كل الأفكار كان لها مكان -بغض النظر عن مستوى توازنها أو شذوذها- لأن المجتمع وجد حينها مفكراً مثل عباس محمود العقاد يطرح فكرة التحصين في مواجهة ما يراه البعض «أوبئة فكرية» تحمل خطراً على صحة المجتمع، فرفض فكرة المصادرة والنفي لأفكار معينة بذريعة أنها أفكار ضارة، وأكد أن أحداً لا يستطيع أن يمنع تدفق الأفكار داخل أي مجتمع، وأن الحل في مثل هذه الأحوال يتمثل في تربية وتطوير العقل، بحيث يستطيع التمييز بين الغث والثمين من الأفكار، والقيم وقليل القيمة منها.

منذ فترة الثلاثينات وحتى اللحظة الحالية والعقل المصري يخوض المواجهة تلو المواجهة ويحاول تطبيق نظرية «العقاد» في تحصين العقل، لكن كل مواجهة تنتهي إلى إخفاق، كذلك كانت التجربة مع الكتب كنافذة لنشر الأفكار الخطرة، ثم مع التليفزيون وأدوات الاتصال المرئي في عصر الفضائيات، ثم مع السوشيال ميديا، التي لم تعد مجرد أداة لتصوير الأفكار والأحداث التي تتفاعل في الواقع، بل صارت الأداة الأهم لتحريك الواقع، والعامل الخفي الذي يقف وراء العديد من الأحداث والحوادث التي تثير إحساس المجتمع بالخطر.

أجاب «عباس العقاد» عن سؤال: «كيف نواجه الخطر خلال فترة الثلاثينات؟» بعبارة من 3 كلمات: «تربية العقل النقدي».. فماذا فعلنا بعدها؟

«الوطن»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى