رؤى

الأقدمون زيفوا التاريخ… والمعاصرون يدفعون الثمن!

القرآن يفسر بعضه بعضًا وأنزله الله تعالى على رسوله وأمره بتبليغه للناس أجمعين

أسامة إبراهيم

كلما قرأت كتابًا من كتب التاريخ التي يكتظ بها تراثنا العربي، شعرت بالدهشة أحيانًا والعجب والصدمة أحيانًا أخرى، لما تزخر به صفحات تلك الكتب الصفراء من متاهات وأساطير، ناهيك عن المكائد والحروب والدسائس والقتل والذبح والتدمير…

بداية رحلتي مع التاريخ كانت في مرحلة الطفولة المبكرة، وبشكل محدد المناهج المدرسة، وهي في رأيي أسوأ أنواع الكتابة التاريخية، لأنها لا تقتصر على خلط الأساطير بالواقع، وإنما تشيطن شخصيات وعصور بالكامل في مقابل تقديس شخصيات أخرى، حسب أهواء الرواة وانتماءاتهم المذهبية والدينية والعرقية.

مناهجنا الدراسية تفتقر كذلك إلى العنصر الإنساني فيما يتعلق بالتاريخ، فتجدها تُحيل كل الأحداث إلى أسباب أو عوامل لا تخضع لمعايير المنطق أو موازين العقل، ولا يلتزم كتَّابها بأصول المنهج العلمي في البحث، فتكون الخلاصة صورة مشوهة لتاريخ محنط، يرددها التلاميذ في الفصول المدرسية كالببغاوات!

كتب التراث الصفراء

بعد أن تخطيت المراحل المدرسية ووصلت إلى الجامعية، وبالتحديد في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وجدت أن أكثر المتاح أمامي هو كتب التراث الصفراء التي تشرف على إصدارها لجان الجماعات الإرهابية التي سيطرت على اتحادات الطلاب في ذلك الوقت- الثمانينات من القرن الماضي- فكانت توفرها بجودة عالية وأسعار منخفضة للغاية، وأحيانًا توزع على الطلبة بالمجان.

استغرقت في مطالعة تلك الكتب، التي ما زال يعلق بذاكرتي بعض عناوينها، منها على سبيل المثال لا الحصر: «العقيدة الواسطيّة» لابن تيميّة، «العقيدة الطحاويّة» لابن أبي العزّ الحنفيّ، «تاريخ الرُسل والملوك أو الأمم والملوك» للطبريّ، «البداية والنهاية» لابن كثير، «الكامل في التاريخ» لابن الأثير، وغيرها الكثير،

وما يجمع بينها هو عدم التأكد من دقة حدث واحد يمكن الوثوق في رواته، ففي ذلك التاريخ المزيف يختلط الكذب بالصدق، والحق بالباطل، ويعشعش التزوير داخل أنسجة الحقائق!

وطوال سنوات الجامعة، كلما تعمقت في متاهات تلك الكتب ودروبها، تبين لي أنها تعرض الوقائع ونقيضها من كتاب لآخر بنفس الدرجة من القوة والإحكام والحجج، واعتماد مؤلفوها على الذاكرة الشخصية والروايات والعنعنة، والتحريض على العنف والقتل بدم بارد، وإثارة الفتن الطائفية والملل والنحل والمذاهب، تحت ستار نصرة المظلومين، أو الأخذ بالثأر. فكل مؤرخ يقرأ التاريخ وفق منظور معين ويقدم له تفسيرًا مختلفًا، وكل منهم يتعامل بانتقائية مع التاريخ بحيث يُنكر الأحداث التي لا تتوافق مع رؤيته وأهدافه.

الإسرائيليات في كتب التراث

لكن أكثر ما هالني، ما وجدته في بعض تلك الكتب من تشويه لآيات القرآن وتقديم الإسرائيليات والمرويات والأحاديث الملفقة المنسوبة للرسول- صل الله عليه وسلم- على النص القرآني، وما يشعرني بالحزن والأسف أن تلك الكتب كانت وما زالت هي المنبع الأساسي لدى المعاصرين لفهم النص القرآني، مع أن القرآن كتاب الله يُفسر بعضُه بعضًا، وأنزله الله تعالى على رسوله الأمين وأمره بتبليغه للناس أجمعين من دون رجال دين، فلا وساطة بين العبد وربه.

كل ذلك نتج عنه أن الأجيال المعاصرة تدفع ثمن ما جناه الأقدمون من تدوين لأحداث ملفقة وروايات مزعومة، ونتقاتل فيما بيننا ونتصارع تحزبًا لشخصيات أصبحت في ذمة الله. فهذا الماضي الملفق اكتسب قداسة لا يمكن المساس بها لدى هذه الطائفة أو تلك. لدرجة أن السفاحين تظهرهم هذه الكتب في ثياب القديسين، في ظل افتقاد العقل النقدي القادر على التفريق بين ما هو أصيل وما هو زائف.

لقد نشأت أجيال جاهلة بتاريخها سهلة الانقياد للملحدين والمستشرقين عند اكتشاف الحقائق، فقد تشوهت أذهان الأجيال المتعاقبة بالأخبار الزائفة المغلفة برداء القدسية، في نفس الوقت الذي يتم فيه التعتيم على الوقائع الحقيقية لأخذ الدروس والعبر، والتعامل مع الأحداث بعمق وتحليلها بمنهجية، ومعرفة العوامل المختلفة التي ساهمت فيها، ومن ثم ضمان عدم تكرار الأخطاءَ التي وقع فيها السابقون.

مبادئ الخطاب الإلهي

على من يتصدى للدعوة للإسلام أن يركز على مبادئ الخطاب الإلهي وقيمه وأهدافه السامية، بعيداً عن سرد القصص المفبركة والإسرائيليات المغرضة والروايات الملفقة، عوضًا عن الكتب التي ﻻ تحترم العقل وﻻ المنطق وصدرت للعالم صورة مشوهة عن الإسلام، وكانت سببًا مباشرًا لما وصلنا إليه من جماعات إرهابية تنشر الرعب والفزع في نفوس الناس حول العالم وقتل الأبرياء تحت راية الدين، نتيجة لكتب الترأث الديني التي لا علاقة لها بالخطاب الإلهي.

وفي الختام، فإنني أطمح في ظهور جيل من الباحثين المنصفين يتعامل مع التاريخ الإسلامي على أساس أنه تاريخ إنساني لا ملائكي، ودراسة تاريخنا دراسة علمية منهجية نقدية، بعيداً عن التقديس والتهويل.

الوسوم
اظهر المزيد

أسامة إبراهيم

إعلامي وناشر، مدير مؤسسة رسالة السلام للتنوير والأبحاث، رئيس دار النخبة للطباعة والنشر بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق