رؤى

الأمن والثقافة في القضية الفلسطينية

سياسة اليمين المتطرف الحاكم فى إسرائيل وسعيه الحثيث نحو تحقيق هدفيه الجوهريين

د. عصام عبد الفتاح
Latest posts by د. عصام عبد الفتاح (see all)

من أكثر الأسئلة التى شغلت الفيلسوف الفرنسى ميشيل فوكو سؤال يتعلق بما يفعله مبدأ الأمن فى عقل الإنسان السياسى.

ومرجع ذلك أن الحالة الإنسانية قد تكاد تكون مستغرقة فى مفهوم الأمن، ومن ثم فمن المشروع التساؤل عن الوظيفة التى يفرضها ضمان الأمن لنا وعلينا.

هذا التساؤل ذو علاقة وطيدة بالفضاء الثقافى والقيمى لكل مجتمع. إذ تلعب الثقافة دورا محوريا فى تشكيل رؤية كل مجتمع للمشكلات التى تحيط به وفى تقدير حكومته لما يجب أن تتخذه من قرارات وتنتهجه من سياسات إزاء الدول الأخرى.

ويعكس هذا البعد الثقافى ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسى بيير بورديو «الهابيتوس ـ Habitus»، ومعناه نظام الإدراك وإنتاج الأفكار الذى تتحدد وفقا له رؤية كل مجتمع للواقع المحيط به وطريقة استجابته له والتعامل معه. وليس أدل على هذا من أن الثقافة باتت سلاحا خطيرا تستخدمه الدول العظمى فى السيطرة على المجتمعات الأخرى وفى توجيه سلوكها وتشكيل قناعاتها، بل ـ وهذا هو الأهم ـ فى تهديدها وبث الخوف فيها بما تزينه لها من أخطار وتهديدات تتربص بها.

فاختراق منظومة القيم الثقافية والاجتماعية والتغلغل فيها أصبحا معا وسيلة ناجعة غير مسبوقة ليس فقط فى الهيمنة على مجتمعات الدول الأخرى وإنما أيضا فى التأثير على قيمها وتعديل سلوكها بما يتفق مع مصالح الدول المهيمنة.

وقد أصاب فوكو عندما قال إن الأمن ليس من حقائق الطبيعة وإنما هو من حقائق الحضارة فهو مشروط بالثقافة ونظم القيم المتعلقة بها لأنها هى التى تهب المعنى والدلالة لكل الأشياء، وبالتالى فإن البعد الثقافى للأمن يرتبط بإنتاج المدارك والسياسات وتحديد الأوليات وتشخيص ما يعد تهديدا للدولة وما لا يعد كذلك.

وعندما نحاول أن نفهم فى ضوء هذا التحليل سياسة اليمين المتطرف الحاكم فى إسرائيل وسعيه الحثيث نحو تحقيق هدفيه الجوهريين لضمان الوجود الإسرائيلى وأمنه، وأولهما محو الشعب الفلسطينى تماما من الوجود بإلقائه فى شتات المجتمعات المحيطة إلى أن يذوب فى طياتها فلا يبقى له ولا لدولته أثر ولا ذكرى. وثانيهما التطبيع مع الدول المحيطة بإسرائيل بغية التأثير المتدرج على منظومة القيم الثقافية لمجتمعاتها خلال التدخل على مداركها المستهدفة وجعلها قابلة للتأثير عليها من الداخل، وهو ما سيفضى ذات يوم إلى تغيير فى نظرتها وموقفها نحو إسرائيل من موقف عدائى إلى موقف ودى تدفع إليه عادة رغبة غريزية دفينة لدى الشعوب المتخلفة فى استبطان قيم وثقافة الدول المتقدمة المتفوقة تكنولوجيا ومعرفيا عليها؛ أملا فى الخلاص من فواتها الحضارى الذى تعانى منه منذ قرون مديدة.

ولم يجاوز الحقيقة الرأى الذى يرى أن الغرب عندما أعلن انتصاره فى الحرب الباردة كان إعلانه هذا إعلانا ثقافيا وقيميا وليس عسكريا، «ومثل ذلك الحرب التى يقول الغرب وعدد من النظم والحكومات إنهم يخوضونها ضد الإرهاب والحركات الجهادية والتكفيرية».

وحينما نمنعن النظر فى الجرائم التى يرتكبها اليمين المتطرف الإسرائيلى من قتل وإبادة للشعب الفلسطينى كيما يجبر الأحياء منه على النزوح إلى البلاد المحيطة، يتضح أن إسرائيل تلعب على منظومة القيم الثقافية والاجتماعية لدى الدول التى ترى فيها خير ملاذ للفلسطينيين.

وقد سبق أن فعلت ذلك عندما أجبرت الفلسطينيين على النزوح إلى الأردن بعد أن فقد الأردن سيطرته على الضفة الغربية عام 1967 ونقل الفدائيون الفلسطينيون قواعدهم داخل حدوده. ولما نما نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية على أرضه حدثت بين حكومته وبينها مواجهات عنيفة فى سبتمبر عام 1970.

وتحاول إسرائيل تكرار تجربة مماثلة مع مصر. فهى ترى أن مصر ستقع أسيرة لصراع عسير بين قيمتين: قيمة إنسانية وقيمة سياسية أمنية. ومفاد الأولى أن مصر لن تتحمل طويلا رؤية الفلسطينيين الأبرياء نساء وأطفالا وشيوخا والموت يحصدهم على حدودها فستضطر إلى التسليم بالأمر الواقع واستقبالهم مضحية بالقضية الفلسطينية. أما القيمة السياسية الأمنية فتعنى أن أمن مصر ومصير القضية الفلسطينية يقضيان بوأد حلم إسرائيل الذى يداعب عقول قادتها، وهو محو فلسطين من الوجود والحفاظ على دولة إسرائيل آمنة مطمئنة.

نقلًأ عن المصري اليوم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى