رؤى

الأمن والعنف الرمزي

الرموز أداة استراتيجية فعالة في السيطرة على سلوك الإنسان وتوجيهه

Latest posts by د. عصام عبد الفتاح (see all)

تلعب الرموز دورًا حيويًا في حياة الإنسان وسلوكه بل هي في الواقع من أهم العوامل التي تتشكل وفقًا لها ذهنيته لارتباطها الشديد بثقافة المجتمع وهويته.

ومن ثم تكمن علاقتها الوطيدة بالأمن. وهذا ما دعا الباحثين إلى اعتبار الأمن مفهومًا رمزيًا في المقام الأول، بل هو يمثل من حيث دلالاته المعرفية المفتاح الأساسى لفهم الظواهر الإنسانية.

ولو أننا نظرنا للمجتمعات البشرية كلها لوجدنا أن أفرادها يسبحون في عالم هائل من الرموز تتجسد في اللغة والطقوس والإشارات والأسماء. والواقع أن عالمنا المعاصر قد بات محكومًا تمامًا بشبكات وتدفقات رمزية افتراضية أنجبتها تكنولوجيا المعلومات.

ولا غرو إن وجدنا في يومنا هذا أشخاصًا انصرفوا تمامًا عن عالمهم الواقعي مكتفين بالحياة في عالم افتراضي يمكنهم فيه التدخل في الأحداث واصطناع واقع بديل عن الواقع الفعلي، فبمقدورهم في العالم الافتراضي إشباع رغباتهم المكبوتة في العالم الواقعي. ولم يخطئ عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر حينا قال: «إن الإنسان عالق في شبكات رمزية هائلة نسجها بنفسه حول نفسه. فالعالم الافتراضي هو العالم الوحيد الذي يمكن للمحال فيه أن يصير ممكنا والوهم حقيقة».

وهكذا أصبح الرمز أداة استراتيجية فعالة في السيطرة على سلوك الإنسان وتوجيهه لما له من قابلية للتوظيف الاجتماعي والسياسي والثقافي وأهميته الكبرى في بلورة السياسات الأمنية للدول. وفي تحليل الخطاب السياسي والإعلامي يجتهد المحللون في تحليل دلالات الرموز من كلمات وصور بلاغية وإشارات بغية الكشف عن الفكر الأيديولوجي في الخطاب، وما تتجه أدواته الرمزية الحجاجية إلى الدفاع عنه.

والتاريخ ملىء بالأحداث التي استخدمت فيها الرموز لإثارة الفوضى والاقتتال بين الجماعات والهويات المختلفة. وقد شاهدنا العنف الدموي بالرموز على شاشات التلفاز في عمليات الذبح والتمثيل بالضحايا التي ارتكبتها داعش تحت اسم «عقوبة المرتدين الكافرين»!!، وكم حذر مرارًا علماء النفس والاجتماع من خطورة مشاهد العنف التي تكتظ بها الأعمال الدرامية على سلوك البشر، إذ تخصب فيهم النزعة التدميرية والعدوان بصورة هائلة.

لهذا فإن الثقافة بوصفها ترسانة هائلة من الرموز تعد نظامًا محددًا لإنتاج السياسات الأمنية. فهي التي تحدد نظم القيم المهيمنة على ذهنية المجتمع، كما تحدد أنماط سلوك أفراده ولهذا فإن الأجهزة الأمنية تتعاطى معها بطرق وكيفيات مختلفة. وقد تتحول هذه القيم إلى مصدر تهديد خطير للدول إذا ما غفلت أجهزتها الحكومية عنها عندما تخطط لسياساتها الأمنية.

وفي تناوله للدور الخطير للرموز يقول الفيلسوف الفرنسي جاكوب روكوزينسكي في كتابه «الجهادية وعودة القربان» إن المنخرطين في الجماعات الداعشية «لا يتعلق الأمر عندهم فقط بمذهب سياسي ـ ديني ولكن بمجموعة من التمثلات والممارسات والسرديات والصور والمعتقدات المسندة والمنتشرة بفعل الشبكات، أي بجهاز معين يبسط كأي جهاز آخر حقلًا للجذب يمكنه من الأفراد، ويسمح له باستمالة رغباتهم وحالاتهم الوجدانية بغية الإيقاع بمنخرطين جدد، وتأكيد سلطانه على الذين استولى عليهم سابقًا. والرموز الذي يستخدمها الجهاز الجهادي هي صور للسلف ولصحابة الرسول الأسطوريين الذين لا يعدون فقط نماذج للتقوى بل محاربين وبطوليين للإسلام قبل كل شيء».

وقد أصاب الأستاذ حمدى رزق عندما تساءل في إحدى مقالاته عن هوية المصريين المتبرعين لسداد نفقات هيئة الدفاع عن المتهم بقتل نيرة، رغم عدم صلتهم بالقاتل ولا بأهله فهم لم يفعلوا ذلك لوجه العدالة وإنما ـ «واللبيب بالإشارة يفهم» ـ لفتن المجتمع.. وإشاعة قتل (غير الملتزمات) بإملاءات تستبطنها جماعات باطنية تروم تطبيق «مانيفستو طالبان».

 

وعلى المستوى الدولي تستعين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية إعلاميًا وسياسيًا بسلاح الرموز لحشد الرأي العام ضد روسيا. فالمصرح به في خطابهما الإعلامي الرسمي أن «روسيا تنتهك حقوق الإنسان وتعتدي على المواثيق الدولية ولها أطماع توسعية». أما المسكوت عنه فيه فهو «الأمن القومي لروسيا وحقها في الدفاع عنه ضد أطماع وتهديدات الناتو» وحقها في أن تتبوأ المكانة التي تليق بتاريخها كأمة عريقة وقوة عظمى لا يستهان بها.

نقلاً عن «المصري اليوم»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى