رؤى

الإدارة المصرية لأزمة السد الإثيوبي

الرئيس السيسي يؤكد على ضرورة مفاوضات ملزمة ومتوازنة تحقق مصالح الجميع

في كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي، في افتتاح «أسبوع القاهرة للمياه» في دورته الرابعة، والذي تشارك فيه وفود أكثر من 70 دولة، تأكيد على عدد من المبادئ الحاكمة لموقف مصر من قضية المياه وعلاقتها بالتنمية والسد الإثيوبي الكبير، نذكر منها ثلاثة رئيسية:

أولها إصرار مصر على إنهاء قضية السد الإثيوبي من خلال مفاوضات بدون إبطاء، تكون مُلزمة قانونًا ومتوازنة تحقق مصالح الجميع.

وثانيها أن مصر حريصة على حقوقها المائية بدون انتقاص، نظرًا لكونها بلدًا صحراويًا جافًا لديه أقل معدل هبوط للأمطار فى العالم، ويمثل النيل المصدر الأوحد للمياه الذى قامت عليه حضارات مصر القديمة وأساس حياة المصريين حتى يومنا هذا، وثالثًا إيمان مصر الجازم والحاسم بأن دفع جهود التنمية يُعد شرطًا أساسيًا لتعزيز السلم والأمن.

المبادئ الثلاثة تُعد بمثابة رسالة موجهة إلى إثيوبيا كما هى موجهة إلى العالم أجمع، وإن ركزت على أهمية النظرة الموضوعية لموقف مصر من سد إثيوبيا وعدم ممانعتها لأن يكون مصدرًا لتنمية إثيوبيا من خلال إنتاج الكهرباء، جنبًا إلى جنب أن يكون الاتفاق الملزم حول تشغيل السد وملئه أساسًا للاستقرار الإقليمي، وحفاظاً على حقوق مصر المائية، ومانعاً من أن يُحدِث ضررًا أيًا كان بكل من مصر والسودان.

الاتفاق القانوني الملزم الذي يؤكد عليه الرئيس السيسى باعتباره حلًا يحقق مصالح كل الأطراف ليس من أولويات إثيوبيا، والذي تساءل الرئيس السيسي، كما في قمة تجمع «فيشغراد»، الذي يضم هنغاريا والتشيك وسلوفاكيا وبولندا، عن الأسباب التي تجعل إثيوبيا رافضة أي اتفاق قانوني، ولماذا تظل على موقفها المتعنت الذي قد يشكل مدخلًا لعدم استقرار المنطقة؟

بالطبع يعلم الرئيس السيسي جيدًا تلك الأسباب، ولكن إثارته للتساؤل أمام قادة أوروبيين أعضاء في الاتحاد الأوروبي شكّلت رسالة للجميع بأن مسئولية الأضرار التي قد تحدث بسبب تعنت إثيوبيا تقع أيضًا على عاتق الأطراف الدولية، ومن بينها الاتحاد الأوروبي، والتي لم تتحرك بصورة فعالة وإيجابية لحل مشكلة كبيرة ذات أبعاد فنية يمكن حلها بسهولة، وأبعاد أخرى سياسية واستراتيجية تخص الإقليم ككل، كما تخص العالم، وقد يترتب عليها خسائر كبيرة لمصر والسودان في حال انهيار السد جزئيًا أو كليًا، وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ومتوازن سيترتب عليها اضطرابات إقليمية ودولية، الجميع بغني عنها، بشرط أن يسود التعقل والمنطق السليم.

الاهتمام المصري بالاستقرار الإقليمي والمصالح المتوازنة أمران يضيفان للدبلوماسية المصرية، لا سيما أن الجوانب الفنية المتعلقة بالسد الإثيوبي تثير مخاوف حقيقية -ولم تعد نظرية أو احتمالًا بعيدًا- من تعرضه للانهيار جزئيًا أو كليًا، وهو أمر قيل بشأنه الكثير منذ عدة سنوات.

ووفقًا لدراسة شاركت فيها مصر، ممثلة في وزير الري ومتخصصين من قطاعات الوزارة، لمتابعة تطورات بناء السد من خلال الاستشعار عن بُعد بالمشاركة مع أحد المراكز الأمريكية المتخصصة في هذا النوع من الدراسات، ونُشرت بعض نتائجها منذ شهر، فقد صارت الشكوك حول ضعف أمان السد أقرب إلى الحقيقة الموثقة، الأمر الذي يستدعي منهجًا شاملًا يربط بين مسارين، الأول المفاوضات وصولاً إلى الاتفاق الملزم بما في ذلك معرفة الحقائق كاملة من الجانب الإثيوبي عن معايير أمان السد التي تم على أساسها بناؤه بهذا الحجم الكبير، والمسار الثاني الاستعداد بأقصى كفاءة ممكنة لحدوث أمر جلل يتمثل في انهيار السد جزئيًا أو كليًا.

فضلًا عن حُسن استخدام الموارد المائية المتاحة في الاستخدام اليومي وفي الزراعة والصناعة وكافة القطاعات بدون استثناء. وهو ما تعكسه استراتيجية تنمية الموارد المائية حتى عام 2037 بتكلفة تقديرية 50 مليار دولار.

واقع الحال أن متابعة مصر لما يجري في السد بناءً وملئًا أحاديًا، هى أمر لا يمكن تجاهله كأمر واقع تعمل إثيوبيا على فرضه بدون اكتراث لما قد ينتج عنه من آثار كارثية وأضرار جسيمة لدولتي المصب. وتصريحات وزير الري عبدالعاطي في أكثر من مناسبة والقائمة على معطيات علمية دقيقة تشير إلى أن انهيار السد خطر محتمل لكن مصر تتمنى ألا يقع، إذ سينتج عن الانهيار مشكلة كبيرة.

ومن جهة مصر، ومن الناحية الفنية، وفقًا لوزير الري، فلدينا استعداد لكافة السيناريوهات، خاصة أن جسم السد يشهد هبوطًا في أجزاء مختلفة. والموقف باختصار أننا ما زلنا ننتظر مفاوضات جادة في مدة زمنية محددة وبحضور مراقبين دوليين ونية إثيوبية صادقة.

جمود المفاوضات فعليًا، والحقائق المتعلقة بغياب أمان السد، يجعل الإصرار على عقدها في أقرب وقت مسألة دبلوماسية من طراز رفيع، صحيح هناك عدة دول تقدمت باقتراحات بعد بيان مجلس الأمن الدولي، لكنها لم تكن تقدم ولا تؤخر من حيث الشكل والمضمون.

وهناك دعوة من الكونغو ومبادرة من الجزائر، لم تُعلن تفاصيلهما، ومن الصعب التحقق من مدى قابليتهما أو قابلية إحداهما بأن تشكل قاعدة جادة للمفاوضات حال الاتفاق على عقدها تحت مظلة الاتحاد الأفريقي. وتجىء أحداث السودان وإلغاء مجلسي السيادة والوزراء السودانيين، لتضيف بُعداً آخر يؤدي عمليًا إلى تأخر المفاوضات حتى يتم تشكيل حكومة كفاءات جديدة تأخذ على عاتقها حماية مصالح السودان المائية والإقليمية بدون أي تنازلات أو مساومات. وأملنا أن يتم ذلك في القريب العاجل.

وإلى أن تتوافر بيئة سودانية جديدة، وحالة إقليمية ودولية مدركة لخطر العزوف عن ممارسة دور فاعل في قضية تمس وجود مصر وحياة شعبها، وقناعة إثيوبية بجدوى التعاون مع مصر والسودان والتفاوض بنية صادقة، سيظل على مصر العبء الأكبر في إدارة هذه الأزمة إقليميًا ودوليًا، وفي ظني أن نشر نتائج الدراسة العلمية المُشار إليها ووضعها كاملة كوثيقة لدى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، سيدعم الموقف المصري أكثر، ويحاصر الأكاذيب الإثيوبية التي لا تنتهي.

نقلًا عن «الوطن»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى