رؤى

الإرهاب الإسلاموي

من «بارانويا» التكفير إلى «سادية» الاغتيال والتفجير

Latest posts by د.محمود إسماعيل (see all)

أحسب أن القارئ لمقالاتي عن جماعات الإسلام السياسي (الإسلاموي) سيلاحظ تنحيتي للمنهج المادي التاريخي جانباً ومقاربة الموضوع وفق مناهج أخرى مغايرة..

تتمثل في المنهج النفسي والمنهج الأنثروبولوجي بالإضافة إلى مناهج دراسة «الميثولوجيا» والفلكلور..

وهي في جملتها لا تطاول المادية التاريخية؛ خصوصاً في مجالي التفسير والتنظير.

وحسبي التنويه بحكم أحد عمد «البنيوية» (رايت ميلز) بأن الذين يحيدون عن المادية التاريخية ويتبعون مناهج أخرى «لا يستطيعون رؤية ما يتجاوز أقدامهم».

بل إن «ميشيل فوكو» بعد رحلة عمر طويل في دراسة الفلسفة وغيرها من الإنسانيات والعلوم الاجتماعية؛ اعترف بقيمة المادية التاريخية دون سواها في مقاربة ودراسة تلك المعارف.

أما عن تعويلنا على المنهج النفسي؛ فيرجع إلى طبيعة الموضوع ليس إلا، موضوع الإسلام السياسي، إذ ثبت حتى للعوام أن تلك الجماعات من حيث تكوينها وسلوكياتها ومقاصدها، لا يمكن فهمها بمعزل عن علم النفس المرضي الباثولوجي بشهادة علماء النفس من المصريين والأجانب على السواء.

أما عن مناهج الأنثروبولوجيا؛ فتتعامل مع المجتمعات البدائية أو «المتوحشة» حسب تعبير «ابن خلدون»؛ تلك التي لا تقيم وزناً لمفاهيم الدولة, والوطن, والقومية وغيرها؛ كما هو حال المجتمعات المتحضرة العصرية.

بل نستبدلها بمفاهيم «العصبية» و«المذهبية» ونحوها؛ كما هو حال جماعات الإسلام السياسي (الإسلاموي).

كما تفيد مناهج علم الفلكلور في الوقوف على دلالات الماورائيات الميتافيزيقية وثقافة الميثولوجيا من أساطير وخرافات ونبوءات وكل ما هو لا عقلاني؛ وهو ما يؤطر ثقافة تلك الجماعات المتشبثة بإحياء الماضي وإلباسه الحاضر بقضه وقضيضه؛ دون أدنى فهم لأوليات معارفه.

خلاصة القول؛ أن «طبيعة الموضوع هي التي تحدد منهجية تناوله»؛ حسب حكم «فوكو».

وهو حكم سبق إليه «إخوان الصفا» حين عولوا على مناهج شتى, عقلية وحسية ونفسية وحدسية, ووظفوا كلا منها في مجاله المعرفي المناسب «حسب طبيعة الموجودات»؛ على حد قولهم.

لذلك فإن اختيارنا للمناهج المناسبة لدراسة جماعات الإسلام السياسي (الإسلاموي) المشار إليها سلفاً إنما ينطلق من التزامنا بالمادية التاريخية.

انكشاف عورات جماعات الإرهاب الإسلاموي

وقد انكشفت عورات ومساوئ تلك الجماعات الإسلاموية التي أخفتها قرابة ثمانين عاماً, وذلك خلال العام القاتم الذي مارسوا فيه السلطة.

إذ ظهرت بوضوح للخاص والعام, للمثقف والأمي تجليات أمراضها وعقدها النفسية بدرجة لم تكن متصورة في مخيال أحد.

ويفسر عالم النفس الأمريكي «كاردنر» انحطاط شخصانية مثل تلك الجماعات بخوائها الثقافي وتردها الحضاري.

كما يفسر المفكر الفرنسي المعاصر «بول فيين» سلوكياتها ومواقفها الحربائية بأنها نتيجة محاولات بائسة في الدفاع عن مصالحها «الأنوية» بالدفاع عن القيم والمثل العليا.

وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف الإيطالي «بارتو»: «إن الذرائع الكاذبة ما هي إلا تبريرات مراهقة ومبتذلة لأهواء خفية دفينة».

وحسبنا الإشارة إلى استمرار ظاهرة الإضرابات طوال عام تقريباً دفاعاً عما أسموه العودة إلى الشرعية, كذا ادعاء دفاعهم عن شعارات ثورة 25 يناير؛ على الرغم من أن مفهوم الثورة يعني الكفر في أدبياتهم ومروياتهم.

أما عن تلك الجماعات وأيديولوجيتها الإرهابية؛ فهي فيما نرى ولدت على الأقل من رحم جماعة الإخوان الأم.

وذلك ما لم تكن مرتبطة عضوياً بها؛ حيث تشكل ذراعها الإرهابي.

إذ نعتقد أن تأسيسها كان مجرد «تكتيك» اتبعته الجماعة الأم؛ بهدف نفي اتهامها بالإرهاب ضماناً لاستمرارها وتحاشياً للحظر أو الحل, ودرءاً لحلول المحن التي لطالما ألمت بالجماعة؛ هذا من ناحية.

ومن أخرى؛ لكي تتفرغ لمباشرة هدفين مرحليين..

أولهما: مباشرة النشاط الاقتصادي لدعم الجماعة مادياً, والإنفاق على «الذراع العسكري» بشراء السلاح, ورعاية أسر السجناء, والانفاق على الجمعيات الخيرية «المشبوهة» والتي كانت بمثابة مراصد لاصطياد الأعوان والأتباع من الفقراء والمعوزين؛ فضلاً عن الشباب اليائس من جراء البطالة… إلخ.

وثانيهما: الإنفاق على «الدعوة» في الخارج في نحو أكثر من ثمانين دولة وعقد صلات مشبوهة من القوى الكبرى؛ توطئة لتحقيق حلم الجماعة في الوصول إلى السلطة؛ حتى لو كان هذا الوصول وسيلته «العمالة».

تعاظم أنشطة «التنظيم الدولي» للجماعة

لعل هذا يفسر لماذا تعاظم شأن «التنظيم الدولي» للجماعة من ناحية؛ ودوره في الحصول على المال بشتى الطرق؛ كالمضاربة وغسيل الأموال وتجارة العملة ونحوها.

وجهود قادة من أمثال يوسف ندا, وإبراهيم منير, ثم خيرت الشاطر وحسن مالك في هذا الصدد تغني عن البيان.

كل ذلك وغيره كان من وراء تعاظم النشاط الحركي للجماعة الأم, ونجاحها السياسي في الوصول إلى عضوية البرلمان في مصر وغيرها من البلاد العربية؛ الأمر الذي داعب أحلامها في الوصول إلى الحكم.

هذا في الوقت الذي تطاولت فيه الجماعات الإرهابية في مصر وخارجها, لتمارس الاغتيالات السياسية وتفجير المفرقعات وإحراق الكنائس ونهب محلات الصاغة.. إلخ.

من أهم تلك الجماعات؛ جماعة التكفير والهجرة التي اتخذت من الأيديولوجية القطبية تبريرا شرعياً لأفعالها الإجرامية.

لقد أسسها شكري مصطفى الذي كان إخوانياً سجن مع من سجن من الجماعة ومنهم سيد قطب وأخذ عنه أفكاره الهدامة وزادها تطرفاً.

وأثر عنه عصابيته وميله إلى العزلة, كما كان نرجسياً إذ أنكر مبدأ الاجتهاد على غيره وحلله لنفسه.

كما كان مخططاً لاغتيال وزير الأوقاف الشيخ الذهبي فحوكم وأعدم سنة 1978.

أما تنظيم «الجهاد»؛ فقد نهل مؤسسه «الشيخ عمر عبد الرحمن» من فكر سيد قطب بالمثل وأضاف إليه من عندياته ما طرحه في كتابه «الفريضة الغائبة»؛ خصوصاً ما يتعلق بـ«الجهاد» الذي أعلنه على «طواغيت الأرض الذين لن يزولوا إلا بالسيف».

كما ناشد قادة الجيش بالانقلاب على الحكم القائم لتحرير الوطن ثم الانطلاق منه لتحرير العالم..!!.

ويعد مسئولاً عن التحريض على اغتيال الرئيس السادات.

وإذ دب الانشقاق داخل التنظيم؛ فانفصل عنه ما عرف باسم «الجماعة الإسلامية» وثيقة الصلة بالمخابرات الأمريكية التي لم تدخر وسعاً في تجنيدهم لقتال السوفييت في أفغانستان.

كما شاركوا في معارك البوسنة والهرسك متعاونين في ذلك مع تنظيم القاعدة.

تعاظم النشاط الإرهابي للجماعات التكفيرية في مصر

مع ذلك؛ تعاظم نشاطهم الإرهابي داخل مصر؛ فاستهدفوا المقدسات المسيحية, ونهب محلات الصاغة من باب مشروعية «الغنائم».

كما كانوا من وراء حادث الأقصر عام 1997؛ حيث اغتالوا عدداً من السياح الأجانب.

كما حاولوا اغتيال بعض رجال الفكر والأدب والصحافة؛ فضلاً عن بعض كبار الساسة وضباط الشرطة؛ فنجحوا أحياناً وأخفقوا أحياناً أخرى.

وإذ جرت مواجهات تلك الجماعات المتطرفة بالعنف؛ فقد آثر بعض أعضائها «التوبة» وتراجعوا عن معتقداتهم؛ بعضهم «تقية» والآخر وهم قلة عن قناعة.

خلاصة القول؛ أن أيديولوجيا الإرهاب القطبي شكلت معتقدات تلك الجماعات.

ولم لا؟ والجماعة الأم الكبرى فد آلت قيادتها إلى القطبيين؛ وهو ما أسفر عنه محنتها جميعاً بعد الموجة الثورية الثانية في 30 يونيو 2013.

صحيح أن تلك الجماعات بعد تنحية حكم الإخوان تضافرت وما تزال لإجهاض الثورة, بالتعاون مع كافة الحركات الإسلاموية في العالم الإسلامي برمته؛ وخصوصاً تنظيم القاعدة.

ولم تدخر الولايات المتحدة وسعاً في تحريضها على مواصلة الإرهاب وربما إمدادها بالسلاح والعتاد؛ بينما عول الاتحاد الأوروبي على مساعدتها سياسياً، بإضفاء المشروعية على نشاطها الإجرامي باسم الديمقراطية على أساس أن ما جرى في 30 يونيو كان انقلاباً عسكرياً.

على أن الجيش المصري ورجال الشرطة؛ بمؤازرة الشعب نجح إلى حد كبير في ردع الإرهابيين وإحباط المخطط الإمبريالي – الصهيوني؛ بما أدى إلى التسليم بمجريات الأمر الواقع.

ونحن على قناعة تامة بأن نهاية الأصولية الإسلاموية والإرهاب الإسلاموي باتت وشيكة.

أسباب انهيار منظومة الإرهاب الإسلاموي

حجتنا في ذلك نسوقها فيما يلي:

1) جدوى الضربات الموجعة في ردع قوى الإرهاب سواء في سيناء أو في المدن المصرية؛ حتى باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة.

2) المؤازرة الشعبية العريضة لقوات الجيش والشرطة؛ بما يؤكد تماسك الجبهة الداخلية. بل يخيل إلي أنه لولا بعض الاعتبارات السياسية؛ لفتك الشعب المصري بتلك الجماعات واستأصل شأفتها.

3) حدوث انشقاقات بين تلك الجماعات بعضها البعض من ناحية, وداخل كل جماعة على عدة؛ بما ينذر بنهايتها المحتومة على المدى القريب.

4) أدى إخفاق نشاطها الإرهابي إلى حدوث تحول في موقف دول الاتحاد الأوروبي للتخلي عن تأييد تلك الجماعات بل والاتجاه نحو اعتبارها جماعات إرهابية.

5) نفس الحكم يقال بالنسبة لموقف الولايات المتحدة؛ وإن بدرجة أقل من المنتظر أن تتصاعد نتيجة ضغط الرأي العام الأمريكي والبنتاجون والكثيرين من أعضاء الكونجرس؛ وذلك حفاظاً على مصالحها في مصر؛ بل في الشرق الأوسط برمته.

6) وقوف الكثير من الدول العربية وبعضها ذات تأثير عالمي كالسعودية إلى جانب النظام المصري ودعمه اقتصادياً ودبلوماسياً؛ بل أعلن بعضها رسمياً اعتبار جماعة الإخوان المسلمين ومن لف لفها «جماعات إرهابية».

خلاصة القول أن تلك جماعات الإرهاب الإسلاموي بأيديولوجيتها الماضوية التكفيرية الإرهابية, وخوائها السياسي بل المعرفي عموماً, ومعاداتها لكافة النظم والشعوب, وتطلعها «الطوبوي» لسيادة العالم؛ كل ذلك وغيره الكثير قمين بإخراجها من التاريخ.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى