الخطاب الإلهى

الإسرائيليات والخرافات في كتب التفسير

الطبري روى الكثير من القصص الملفَّقة مستندًا إلى كعب الأحبار ووهب بن منبه

الإسرائيليات تتفاوت في كتب التفسير ما بين راوٍ لها دون إشارة لكذبها أو ساكت عنها أو ناقد لها.
الإسرائيليات نجدها في هذه الكتب، ما بين مؤلف تحدَّث عنها وأسند ما روى إلى رواته إسنادًا تامًا، وترك للقارىء مهمة النقد والتحرّي.

ومن مؤلفي كتب التفسير مَن عرضها بأسانيدها، لكنه أتبع ذلك بالنقد والتحليل، وتعقّب رواتها والكشف عن حقيقتها وقيمتها. ولكن لا يستطيع فعل ذلك إلا من له القدرة على النقد.

وعلى صعيد آخر نجد كتب تأتي بكل ما في الإسرائيليات من سخف، قد يصل إلى فساد العقيدة دون إسناد أو نقد أو تعقيب. وكأن كل ما جاء فيها يجب التسليم بصدقه.

وهناك من يذكرها دون أسانيدها ولكن قد يشير إلى ضعفها بشكل غير صريح بقوله «قيل»، وأحيانًا يصرّح بعدم صحة الإسناد.

الإسرائيليات تتعرض للنقد والتجريح على يد بعض المنصفين

ومن الإنصاف أن نذكر أن هناك كتب تذكر الإسرائيليات ولا تسندها، ولكن تقصد بيان ما فيها من أباطيل وأكاذيب،
لأن كتّابها نظروا لما سبقهم من الكتب التي تحويها.

فرأوا أن ينقلوا عنها لينبهوا على بطلانها، وعدم النظر إليها كمسلّمات، وكان ذلك بحجة أن مؤلفي هذه الكتب لهم مكانة علمية.

وقد شنَّ بعض الكتّاب حملات شعواء على من سبقهم من المفسرين الذين أخذوا من الإسرائيليات. وقد يتطرقوا إلى النيل منهم وممن أخذوا عنه ولو كان من كبار الصحابة أو التابعين.

ابن جرير يروي الأخبار والقصص الإسرائيلية

وفي كتاب الإسرائيليات في التفسير والحديث للدكتور محمد حسين الذهبي.  نجده تعرّض لأنواع هذه الكتب بذكر مثال أو مثالين لكل نوع.

فقال: «من أشهر الكتب التي تذكر الإسرائيليات بأسانيدها ولا تنقد ما ترويه إلا قليلًا، تفسير محمد بن جرير الطبري  المسمى، جامع البيان في تفسير القرآن، وهو تفسير بالمأثور.

وفي هذا التفسير نجد ابن جرير يروي كثيرًا من الأخبار والقصص الإسرائيلية، مسندًا إلى كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وابن جريج، وغيرهم من مسلمي أهل الكتاب».

ويقول أيضًا: «وابن جرير يروي في تفسيره غرائب كثيرة ثم لا يتعقّبها بنقد».

وذكر المؤلف الكثير من الأباطيل التي ذكرها ابن جرير ولم يتعقبها بنقد والتي لا يقبلها عقل، بل ويردها الشرع أحيانًا. والتي اكتفى بذكر أسانيدها كما ذكرنا.

افتراءات الإسرائيليات في قصص الأنبياء

ومن أمثلة ذلك، حديثه عن قصة نبي الله نوح عند تفسيره لسورة هود،

في قوله تعالى: «وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ» (هود:38)

راوٍ عن ابن عباس أنه ذكر أن الحواريين قالوا لعيسى ابن مريم ان يبعث لهم برجل يحدثهم عن السفينة فكان في هذا الحديث:

أن كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة للدواب والوحوش، وطبقة فيها للإنس، وطبقة فيها للطير، فكلما كثرت أرواث الدواب، أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر بحبل السفينة يقرضه أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد، فخرج منه سنور وسنورة فأقبلا على الفأر.

وكذلك ما ذكر في قصة سليمان عليه السلام في سورة ص، عند تفسير لقوله تعالى:

«وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ» (ص:34)

فقد ذكر في تفسيرها أن الله ألقى على الشيطان شبه سليمان، وسُلِط على ملكه فأخذ يقضي بينهم وهم ينكرون عليه، وقالوا: لقد فُتن نبي الله، وهذه القصة فيها من الكذب والافتراء الواضح، لأنه مُحال أن يمكِّن الله الشيطان من التسلط على ملك سليمان، ويُلبس على الناس أمر نبيهم.

ويذكر «الذهبي» أن ابن جرير إن تعقّب بعض ما يرويه بنقد إسناده، لا يكون بقصد تضعيف المروي أو تكذيبه، ولكن بقصد تصحيح رأي فقهي أو لغوي يجده في النص مخالفًا لما يرويه، فلهذا يرده ويفنده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى