أخطاء شائعة

الإسلام دين أم سياسة؟!

كتاب يرصد فكر التنظيمات المتطرفة الذي يؤدي إلى الصراعات الطائفية

أراد الله للإسلام أن يكون دينًا، وأراد به الناس أن يكون سياسة، والدين عام إنساني شامل، أما السياسة فهي قاصرة محدودة قبلية محلية ومؤقتة.

بهذه العبارة بدأ المستشار محمد سعيد العشماوي كتابه «الإسلام السياسي» والذي تناول فيه فكر التنظيمات المتطرفة.

يرى «العشماوي» أن اختزال الإسلام في السياسة يؤدي إلى نتائج سلبية خطيرة شوهت صورة الإسلام الذي يدعو للحرية والسلام.

نتائج ربط السلطة السياسية بالدين

ومن هذه النتائج:

1 ـ صار التاريخ الإسلامي تاريخًا للصراع القبلي والطائفي، وبين الفرق الدينية، وبين عرق وآخر. وأخذ هذا الصراع صبغة دينية تدور حول الشريعة، فاضطرب الفهم الديني والعمل السياسي معًا.

2 ـ ربط السلطة السياسية بالسماء، جعل خلفاء المسلمين، ينظرون إلى أنفسهم على أنهم خلفاء الله، أو وكلاؤه في السلطة، ولذا يجب أن يكونوا معصومين، ما أدى إلى استبداد الحكم وفساده.

3 ـ أثر ربط الدين بالسلطة السياسية سلبًا على مضمون الفقه الإسلامي وشكله، حيث التف بعض الفقهاء حول الحكام، باحثين عن المنفعة الذاتية.

ففُتحت لهم الأبواب، لتشكيل الدين وفق هوى الحكام، الذين وجدوا أن من مصلحتهم مساعدة هذا الاتجاه من الفقه على التعزز والتمدد.

صناعة الفقه المتطرف

فأمدوه بأسباب تحقيق هذا على حساب الاتجاهات الأخرى، ما

أدى إلى خلل عاني منه المسلمون اللاحقون، ولا يزالون، وأعطى حجة للمتطرفين لصناعة فقه مضاد، بدعوى أن كل فقه أُنتح في ركاب السلطة أو حتى بالقرب منها قد اعتراه فسادٌ شديد.

كما جاء رد فعل بعض الفقهاء في اتجاه مضاد، فانصرفوا عن كل ما يتعلَّق بالسلطة، وبذا أعرضوا عن فقه القانون العام، وأسرفوا في شرح توافه الأمور وقشور المباحث؛ مثل موضوعات الحيض، والنفاس، ونواقض الوضوء، ورمي الجمرات، وما شابه.

وأدى هذا إلى خلو الفقه الإسلامي من «نظرية سياسية إسلامية»، تبين المسافة بين «الدعوة» و«الدولة»، وتضع الأطر العامة أو القيم الأساسية التي تحكم علاقة السلطة بالناس، ونظرة الناس أنفسهم إليها، ومطالبهم منها.

4 ـ أدَّت مظالم السياسة، التي جرى تبريرها بالدين، وتسويغها بالشريعة، وسوندت بالفتاوى، في كثير من الأحيان إلى انسحاب المسلمين من العمل العام، وإضعاف تضامنهم مع الآخرين.

5 ـ تسبب وجود جماعات وتنظيمات سياسية تتخذ من الإسلام أيديولوجيا لها في إضعاف المسارين الروحي والأخلاقي في هذا الدين، رغم أن القرآن الكريم، وهو الكتاب المؤسس للإسلام، أعطاهما وزنًا أكبر بكثير مما أعطاه لمسائل تتعلق بالحكم والإدارة، وجعلهما من ترتيب المعاش المتروك إلى تصرف العقل باعتباره وكيل الله.

وقد آن الأوان للتفرقة بين «الأصولية الإسلامية السياسية الحركية» و«الأصولية الإسلامية العقلية الروحية».

الحكومة الإسلامية التي يرضى عنها الله

6 ـ تستغل الجماعات المتطرفة مسألتين لتبث من خلالهما مشروعها، الأولى هي حاجة أي مجتمع إلى حكومة أو إدارة، وهذا أمر بدهي، يعطي أتباع هذه الجماعات فرصة للحديث عما يسمونها «الحكومة الإسلامية»، ثم يضيقون في تعريفها وتحديد شروطها لتصبح ملازمة لتصورهم، ثم يقدمونها لعموم الناس على اعتبار أن هذه هي الحكومة التي أقرها الشرع، ويرضى عنها الله تعالى.

والثانية هي سعي المسلمين إلى النهضة، أو استعادة القوة التي كانوا عليها، وهو أمر مفهوم ومطلوب، بل وحق.

وتعزف الجماعات السياسية المتطرفة على وتر هذا النزوع النفسي والعقلي للمسلمين، وتدَّعي أن تلك النهضة المبتغاة لا يمكنها أن تُستعاد وتستمر إلا بتبني مشروع «الإسلام السياسي»، والتسليم به، وترك القيادة له.

7 ـ تدعو بعض فصائل تيار الإسلام السياسي إلى عدم الولاء للوطن، بزعم أن هذا الولاء جاهلية، وأن الولاء السليم هو لـ «جماعة المسلمين».

وهذه دعوة عدمية فوضوية؛ لأنها تهدم ولاء أهل كل بلد لبلدهم، وبذا تشاع بينهم الفرقة، فلا طاعة للحكومة حتى وإن أصلحت وعدلت، ولا تضامن مع المواطنين، ولا سداد للضرائب، ولا احترام للقانون، ولا أداء للخدمة العسكرية أو ممارسة للخدمة العامة.

وبالطبع فإن «جماعة المسلمين» هذه هي محض افتراض، إذ لا يمكن تحديدها في الواقع المعيش بالطريقة نفسها التي نعرف بها من هو المواطن داخل كل دولة؟ ونحدد حقوقه وواجباته.

وبذا فإن نقل الولاء إلى كيان هلامي، وإهمال اليقيني لحساب المشكوك فيه، وتحطيم ما هو قائم لحساب المجهول، يعد من قبيل العمل الأخرق، الذي يصنع الاضطراب الاجتماعي والسياسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى