طاقة نور

الإمام المجدد يجيب عن السؤال الصعب

محمد عبده: كتب التراث فاقمت أزمة المسلمين على مر العصور

«متى ولع المسلمون بالتكفير والتفسيق ورمي زيد بأنه مبتدع وعمرو بأنه زنديق؟»

سؤال طرحه الإمام المجدد محمد عبده منذ 120 عامًا تقريبًا.. كان ذلك في نهايات عام 1900 وهو يتناقش مع بعض تلاميذه ومريديه عن مقال نشره «غابرييل هانوتو» وزير الخارجية الفرنسي في ذلك الوقت، بصحيفة (لو جورنال) الفرنسية يتهم المسلمين بالهمجية والابتعاد عن المدنية والحضارة التي تزخر بها أوروبا كما زعم.

لم يطرح محمد عبده السؤال فقط على من حوله، بل طرح إجابة له في مقال تم نشره على صفحات جريدة المؤيد المصرية، في ذلك الوقت، ثم أعاد طرح السؤال وإجابته باستفاضة من خلال صفحات كتابه، (الإسلام بين العلم والمدنية) والذي تمت طباعته في عام 1923 وجاء فيه:

«إن ذلك بدأ فيهم عندما بدأ الضعف في الدين يظهر بينهم، وأكلت الفتن أهل البصيرة من أهله.. تلك الفتن التي كان يثيرها أعداء الدين في الشرق وفي الغرب لخفض سلطانه، وتوهين أركانه».

الإمام المجدد يكشف الأزمة التي غيرت الأمة 

ويستكمل «محمد عبده» سرده للأزمة التي غيرت العرب وحالت دون سيادتهم للعالم كما كان مقدرًا لهم فيقول: «تولى شئون المسلمين جهالهم، وقام بإرشادهم في الأغلب ضلالهم، في أثناء ذلك حدث الغلو في الدين، واستعرت نيران العداوات بين النظار فيه، وسهل على كل منهم لجهله بدينه أن يرمي الآخر بالمروق منه لأدنى سبب، وكلما ازدادوا جهلًا بدينهم ازدادوا غلوا فيه بالباطل ودخل العلم والفكر والنظر (وهي لوازم الدين الإسلامي) في جملة ما كرهوه، وانقلب عندهم ما كان واجبًا من الدين محظورًا فيه».

وأشار إلى أن «المسلمين لما كانوا علماء في دينهم كانوا علماء الكون وأئمة العالم، ولما أصيبوا بمرض الجهل بدينهم انهزموا من الوجود وأصبحوا أكلة الآكل، وطعمة الطاعم».

وأوضح أن الأزمة تفاقمت عندما صار الأحدث يأخذ ما تركه له الأقدم في الزمان من كتب التراث دون تدقيقي أو تمحيص ويسلم بما جاء فيها وكأنه قول ثابت عن الله ورسوله وليست اجتهاد من عالم يخطيء ويصيب.

فيقول محمد عبده: «إن حالة طلبة العلوم الدينية الإسلامية أصبحت مما يرثى له في أكثر بلاد المسلمين، فهم لا يقرؤون من كتب الكلام إلا مختصرات مما كتب المتأخرون.

يتعلم أذكاهم منها ما تدل عليه عباراتها، ولا يستطيع أن يتعلم البحث في أدلتها، وتصحيح مقدماتها، وتمييز صحيحها من باطلها..

وإنما يتلقاها كأنها كتاب الله أو كلام نبيه صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ ما فيها بالتسليم.

فإذا ناظره مناظر في بعض قضاياه وعجز عن تصحيحه قطع الجدال بقوله: هكذا قالوا»

عين على الدنيا والثانية على الآخرة

وأوضح أنه: «لما كان المسلمون علماء كانت لهم عينان: عين تنظر إلى الدنيا والأخرى تنظر إلى الآخرة، فلما طفقوا يقلدون أغمضوا إحدى العينين، وأقذوا الأخرى بما هو أجنبي عنهم، فقدوا المطلبين، ولن يجدوهما إلا بفتح ما أغمضوا، وتطهير ما أقذوا».

جدير بالذكر أن الإمام المجدد محمد عبده كان أحد أبرز العلماء المهتمين بتصويب الخطاب الإسلامي وتنقية ما شابه من شبهات وإسرائيليات والذود عنه ضد المؤامرات التي تحاك له في الشرق والغرب، وألَّف في ذلك عدة كُتب ونشر عشرات المقالات في الصحف المصرية والعربية والأجنبية للرد على المستشرقين والشبهات التي أثاروها ضد الإسلام مما تصيدوه من كتب التراث.

ووُلِد محمد عبده حسن خير الله سنة 1849 فى قرية محلة نصر بمحافظة البحيرة المصرية، لأبٍ تركماني الأصل وأم مصرية، وحفظ القرآن الكريم كاملًا قبل التحاقه بالأزهر الشريف وحصل منه على الشهادة العالِمية.

وسافر بدعوة من أستاذه جمال الدين الأفغاني إلى باريس سنة 1884م، وأسَّس معه جريدة «العروة الوثقى» ثم واتته الفرصة ليعود إلى مصر عام1889 ليعمل بالقضاء، ثم أُسْنِد إليه منصب المفتي، ليكون بذلك أول مفتي مصري مستقل عن مشيخة الأزهر، بعد أن كان العُرْف مستقرًّا على إسناد هذا المنصب لشيخ الأزهر.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق