رؤى

الإيمان وفضاء الحرية في القرآن الكريم

الله سبحانه وتعالى أمر الناس بالتدبر في آياته وإعمال العقل فيها

حي معاوية حسن

جاء الوحي القرآني منزّلًا من الله سبحانه وتعالى على نبيه الأعظم ليخاطب العقل الواعي المدرك القادر على تمييز الخطأ من الصواب والحقيقة من الوهم..

وهذا هو شرط التكليف ومناط المسؤولية عن الفعل والقرار، وقد منح الله للبشر عقولًا متطورة قبل أن يدعوهم للإيمان به وبرسالاته المنزلة التي احتوت تذكيرًا للعقل بآيات الله في الكون والوجود المحيط بالإنسان كدليل يقنعه بصدق الخطاب الإلهي.

يقول تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (البقرة: 164).

الأمر بإعمال العقل في آيات الله 

وكثيرة هي الآيات القرآنية التي تقدم البراهين العقلية على وجود الله وعلى قدرته في تدبير هذا الكون وإحكامه ونظامه المتقن، قال تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ» (القمر: 49).

ثم يخبرنا القرآن الكريم في أكثر من موضع بأن الله سبحانه وتعالى أمر الناس بالتدبر في آياته وإعمال العقل فيها ليصلوا إلى الحقيقة ، وأنه لم يجبرهم على الإيمان به رغم قدرته المطلقة على ذلك..

فقال: «لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا» (يونس: 99)، وفي آية أخرى «وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ» (النحل: 9).

وعندما ينتفي الإجبار على الإيمان المتأتي من مشيئة الله سبحانه وتعالى فأحرى أن ينتفي الإجبار على الإيمان المتأتي من مشيئة البشر، وينتفي معه كل سلطان على العقل، وتتحرر الإرادة من هيمنة المخلوق إلى فضاء الحرية الذي منحه الله لهذا الإنسان ورتب عليه المسؤولية عن كل أعماله،

قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا» (فصلت: 46) وقال أيضًا «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» (المدثر: 38).

القرآن يخاطب العقل الواعي

ثم تتوالى الآيات القرآنية بأسلوب بيّن وخطاب واضح صريح لتخبر الناس أن الإيمان بالدين قناعة شخصية وقرار حر يتخذه الإنسان من غير إجبار ولا إكراه،

وهل هناك أوضح من هذا الخطاب الإلهي: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْۖ  فَمَن شاءَ فلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْۚ..» (الكهف: 29)

وقوله: «إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ» (الزمر: 41).

والأمر بعدم إكراه الناس على المعتقد، يأتي غالبًا موجهًا للرسول صلى الله عليه وسلم  لأنه قدوة المسلمين وأسوتهم الحسنة «لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..» (الأحزاب: 21)

ومنه ما ورد في الآية السابقة حين قال جل شأنه مخاطبًا نبيه الكريم: «..وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ» (الأنعام: 107)، وأيضًا قوله: «..فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ» (الرعد: 40) وقوله: «فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ» (الغاشية: 22).

مهمة الرسول التبليغ

فالقرآن هنا يحدد مهمة الرسول ويحصرها في التبليغ فقط، أما الإكراه فليس واردًا في الدين على الإطلاق، ولهذا قال الله تعالى حاسمًا هذه المسألة..

«لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (البقرة: 256).

ونلاحظ أن كلمة (إكراه) جاءت نكرة، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، بل هي من أعم صيغ العموم، وبذلك لا يجوز أن يكره الناس – في أي زمان ومكان ولأي سبب – على أمر متعلق بالعقيدة والإيمان والقناعة بالدين.

ومضات على الطريق

يقول المفكر الإسلامي علي الشرفاء في تعليقه على هذه المسـألة في كتاب «ومضات على الطريق»: «إن الله أسقط حجة الذين يجعلون من أنفسهم أوصياء على الناس في عقائدهم، أو إكراههم باتباع دين الإسلام أو العقيدة التي يؤمنون بها، بالقوة والترهيب والقتل»..

وبالفعل تؤكد الأبحاث والدراسات من أهم أسباب انتشار الإرهاب المتدثر بدثار الإسلام هو تعطيل آيات حرية الاعتقاد على الرغم من أنها آيات آمرة صريحة ومحكمة، تعطي للإسلام وجهه الإنساني الحضاري الذي يتناغم مع الفطرة والعدل والرحمة التي بعث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لنشرها في الأرض «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» (الأنبياء: 107).

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى