ملفات خاصة

التراث ومعضلة التجديد

معتز الخطيب: لا يمكن تجاهل أن الإخوان المسلمين هم من بدأوا تشكيل المذهبية السياسية للدين

تحت عنوان «التراث ومعضلة التجديد» نشر موقع «مؤمنون بلا حدود» حوارًا أجراه مع الأستاذ معتز الخطيب، باحث سوري من مؤلفاته (رد الحديث من جهة المتن: دراسة في مناهج المحدثين والأصوليين)، (سيد قطب والتكفير)، (الغضب الإسلامي: تفكيك العنف دراسة نقدية)، إضافة إلى العديد من البحوث والدراسات المنشورة في عدد من المجلات العربية.

ومما جاء في الحوار:

عن سؤاله: اشتغلتم في عدد من أبحاثكم على دراسة قضايا الإصلاح والتجديد، وهي قضايا استحدث الكلام فيها تحت وقع صدمة الحداثة الغربية، فكيف تقرؤون مسار وتفاعلات الفكر العربي منذ عصر النهضة إلى اليوم؟

كانت إجابة الباحث: بدأت جهود البحث عن «الإصلاح والنهضة» منذ القرن التاسع عشر، ثم تحولت منذ خمسينيات القرن العشرين إلى بحث عن «التجديد»، وأمكن لي في عملٍ سابق قراءة تلك التحولات من خلال صيغ الأسئلة التي كانت تُطرَح؛ فقد تم الانتقال من سؤال «لماذا تقدم الغرب؟» إلى سؤال «لماذا تأخر المسلمون؟» ثم سؤال «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟»، ثم سؤال «لماذا أخفقت النهضة؟»، وهي صيغ تختزل زوايا النظر وأولويات التفكير، كما تظهر أن الغرب الناهض هو محور التفكير والمقايسة من جهة، ومن جهة أخرى شكّل التراثُ محورًا لإعادة التفكير تحت أهداف ومقاصد متعددة لتحقيق النهوض المنشود.

وقد حفل تاريخنا الفكري والثقافي الحديث بالعديد من الاتجاهات والمشاريع في هذا الخصوص، ولا يمكن اختزالها في أسطر قليلة هنا، ولاسيما أن ثمة قراءات ومداخل مختلفة، لكن شاع تقسيم رضوان السيد لذلك إلى مرحلتين: الإصلاحية (الأفغاني وعبده) وإشكاليتُها كيف نتقدم؟، والإحيائية (رشيد رضا في مرحلته الثانية وحسن البنا وحركته) وإشكاليتُها كيف نصون هويتنا؟، إلا أن المتتبع للتاريخ الفكري والثقافي الحديث، يجد أنه موّارٌ وحافلٌ بالفعالية والإنتاج ما يجعله أوسع من تلك الثنائية الطاغية والمهيمنة، ولا نزال نفتقر إلى تأريخ فكري رصين ومستوعب بعيدًا عن التنميطات السائدة.

وفي الجملة يمكن القول إنه وُجدَ طيفٌ واسع من التوجهات تبدأ بالنهضوي التغريبي الذي يعمل على شاكلة الغرب، حذو القُذة بالقُذة، مرورًا بالنهضوي العصريّ الذي رأى في فكرة المنافع العمومية والتنظيمات وإقامة الدولة العصرية مخرجًا دون حاجة إلى قطيعة مع الإرث الثقافي والديني (كالطهطاوي وخير الدين التونسي)، ثم الإصلاحي الإسلاميّ (كمحمد عبده ومدرسته) الذي رأى ضرورة إصلاح مناهج التربية والتعليم للنهوض بالمجتمعات وضرورة الإصلاح الديني للنهوض المدني، ولو تجاوزنا القرن التاسع عشر إلى العشرين سنجد مشاريع صون الهوية واستعادة الخلافة أو الدولة الإسلامية (البنّا وحركته)، وحركة الإصلاح الفكري وأسلمة المعرفة، وأطروحة مشكلات الحضارة، وأن الإصلاح يبدأ بإصلاح الإنسان نفسه مع موقف سلبي من العمل السياسي (مالك بن نبي)، إلى غير ذلك من المشاريع والأطروحات.

في المقابل، شكّل التراث معضلة في سياق البحث عن النهوض والتجديد، فقد تَحَول منذ ستينيات القرن العشرين إلى «إشكالية» بعد أن كان في القرن التاسع عشر عنوانًا لنهوض ثقافيّ عام لا يجد أيّ حرج أو إشكال في العودة إليه، أو في إعادة نشره وتحويله إلى فن علمي له تقاليده وقواعده، أو في تعميق الوعي به وبناء معارف جديدة على أساسٍ منه. وإشكالية التراث هنا لم تقتصر على فكرة العودة ودلالاتها فقط، بل تعدَّته إلى إعادة التساؤل عن جدوى التراث نفسه، وعلاقته بالحداثة وسؤال النهضة، بل أبعد من ذلك برزت مشاريع تهدف إلى تفكيكه للتخلص من سلطته التي نُظر إليها على أنها من معوقات الحداثة المنشودة.

فما ميز قراءة التراث والعودة إليه في مرحلة الستينيات وما بعدها هو كثافة التأويل مع اختلاط المعرفة بالأيديولوجيا، ولذلك وجدنا قراءات عديدة ومتنوعة تعيد إنتاج جملة مواقف من التراث، ما بين مواقف انتقائية ونفعية تَقضي بإبراز الجوانب التقدمية للتراث، بما ينسجم مع التوجهات الثورية السائدة في السبعينيات مثلاً (كما لدى حسين مروة وطيب تيزيني ومحمد عمارة في مرحلته الأولى)، ومواقف تَقضي بتفكيك نص التراث وسلطته لتحرير العقل الإسلامي من سلطة الماضي وأوهامه؛ كخطوة ضرورية للتحديث المطلوب والمنشود (كمحمد أركون)، ومواقف تسعى لعقلنة التراث؛ لأنها ترى أن العقلانية هي البداية الفعلية لتشييد مشروع النهضة وتحديث العقل العربي (كمحمد عابد الجابري)، إلى غير ذلك من المشاريع الكثيرة.

فالغرض هنا من التذكير بهذه الخارطة الفكرية هو طَلَبُ الوعي بتاريخ الأفكار وتطورات كل مفكر ومشروعه أيضًا، والوعي بنسبية المشاريع التي يدفع التركيز على أحدها – عادة – إلى تَوهم إطلاقيته، ويساعدنا أيضًا على عدم إعادة اختراع العجلة من جديد لدى بعض المتحمسين.

لكن السؤال الذي ربما يُطرح الآن، هو أنه بعد كل هذه المشاريع والأفكار، لماذا لم تتحقق النهضة بأية صيغة كانت؟ وهل أخفقت فعلاً؟ أعتقد أن متغيرات كثيرة حصلت في الفكر وفي الواقع، ومشاريع النهضة بقيت في إطار المشاريع الفردية أو الحزبية في أحسن الأحوال، وكان تمّ خصام بين ثلاثية الفكر والواقع والسلطة، وقد ابتُلينا بكيانات وأنظمة سياسية مشوهة، فلا هي أتاحت الإمكانات للتطوير الذاتي وفق أطر ومؤسسات قادرة على إحداث النهوض المنشود، ولا هي أنجزت الدولة بمفهومها الحديث، فانعدمت الحريات ووظائف الدولة كما هي في الغرب، بالإضافة إلى معوقات الاستعمار والهيمنة الغربية والصراعات الأيديولوجية التي جعلت مشاريع الهوية تتعملق وتسيطر على المشهد لزمن طويل في مقابل مشاريع العلمنة والتحديث، فبقيت النقاشات الفكرية النهضوية نخبويةً وبعيدة عن إمكانات التنزيل في ميدان أجهزة الدولة ومؤسساتها من جهة، وبعيدة عن عموم الناس فلم تتحول إلى ثقافة عامة ومطلب مجتمعي من جهة أخرى. نعم، ربما دفعت الثورات العربية إلى الحماس من جديد للنهضة والفعل المجتمعي الذي يعيد بناء السلطة والدولة على أسس الحرية والإرادة الشعبية، ولكن سرعان ما تَمَزق هذا الحماس على وقْع الثورة المضادة والانقسامات والصراعات الفكرية والسياسية والسلطوية التي حصلت بفعل القوى الداخلية والإقليمية والدولية.

وعن سؤاله: انطلقت خلال العقود الأخيرة سلسلة من الكتابات النقدية الذاتية لمثقفين إسلاميين، كان لها أثر واضح في المقاربات السياسية لعدد من التيارات الإسلامية، واكبها انفتاح قطاع واسع من النخبة الإسلامية على الكتابات النقدية للجابري وأركون وأبو زيد وغيرهم، ألا يؤشر هذا على تحول يجري على مستوى المقاربات المنهجية لذوي الطروحات الإسلامية؟ وهل يمكن توقع استمرار عمليات النقد والمراجعة، لتطال “الانفتاح”على المقاربات الحداثية كما تبلورت في التجربة الغربية؟

جاء رد الباحث معتز الخطيب كما يلي:

لا يمكن وضع كل هذه الأسماء والكتابات في سلة واحدة؛ على ما بينها من اختلاف؛ فالجهود النقدية داخل التفكير السياسي الإسلامي لم تنقطع عامةً؛ لعوامل عدة، بعضها يعود إلى الممارسة السياسية وإكراهاتها، وبعضها يعود إلى حيوية هذا المفكر أو ذاك وتقلباته، كما نجد لدى حسن الترابي والغنوشي مثلاً، وبعضها يعود إلى أثر الصراعات والسجالات الفكرية والأيديولوجية التي دفعت إلى بعض التقارب ما بعد الثمانينيات.

أما بخصوص الحالة النقدية تجاه بعض العلوم الإسلامية، فقد بدأت منذ زمن الإصلاحيين في القرن التاسع عشر في مصر وتونس والشام، وقد شرحتُ هذا في دراسة لي عن «مشكلة العلوم عند الإصلاحيين»، وقد اتسع هذا النقدُ بعد خفوت النزعات الأيديولوجية وصراعاتها بين الإسلاميين والقوميين واليساريين وغيرهم، وقد تراكم لدينا نقدٌ معرفيٌّ جيدٌ مع تطور الدراسات في مجال القرآن والحديث والفقه بأثرِ من التفاعل مع الواقع ومشكلاته من جهة، وبأثر من تطور حقول الدراسات الإسلامية وفق منهجيات حديثة من جهة أخرى، ومع بروز عقليات نقدية، خصوصًا من قبل العقليات الأكاديمية الشابة من أبناء جيلنا في العقدين الأخيرين، ولكن الكتابات النقدية غير العلمية استمرت في المقابل، كحديث البعض عن «جناية البخاري على الحديث» و«جناية سيبويه على اللغة» ونحوها من المحاولات المبتذلة من خارج الحقل العلمي. أما محاولات جمال البنا، فهي لا تحظى باحترام علمي في الأكاديميات؛ لافتقارها إلى المنهجية وكثرة اضطراباتها؛ رغم دأب وتفاني صاحبها.

وبالجملة، أفرزت كتابات الجابري ونصر أبو زيد وغيرهما تفاعلات نقدية وساهمت في تطور المعرفة، رغم أن الجابري في العقل العربي يختلف عنه في تفسير القرآن وفهمه من حيث المستوى والقيمة، ورغم أن الدراسات القرآنية الحديثة تجاوزت بمراحل كتابات نصر أبو زيد، ولكن تلك الكتابات كانت مهمة في حينها، فهذا شأن المعرفة نامية ومتطورة، وباب النقد يتسع بالتراكم واتساع أفق النقد وأدواته وبتطورات الحالة الفكرية.

وعن سؤال: تستمد السلفية الجهادية مقومات تصورها الأيديولوجي من خليط غير متجانس، يجمع بين الاجتهادات الفقهية لعلماء الدعوة النجدية، وتنظيرات سيد قطب الجهادية، وتأصيلات ابن تيمية العقدية، ألا ترون أنه بناء نظري هجين؟ وأن نقد الفكر الجهادي لازال حبيس نتائجه السلوكية دون القدرة على تفكيك منطقه الداخلي؟

جاءت إجابة الباحث: لا يمكن تجاهل أن الإخوان المسلمين هم من بدأوا تشكيل المذهبية السياسية للدين، حين حاولوا أن يعوضوا غياب الخلافة التي سقطت بمشروع الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة تمهيدًا لاستعادة الخلافة، ثم سعَوا إلى بناء النظام الإسلامي الشامل الذي يَقطع مع الأنظمة السائدة في مختلف المجالات، إلا أن تلك الأفكار سَرَت وانزلقت إلى مشروع الجهاد العالمي؛ ولكن بأدوات وأساليب مناقضة لما رجاه الإخوان، وعبر وسيط إخوانيّ هو سيد قطب الذي طرح أفكار الجاهلية والحاكمية وتكفير المجتمعات؛ نظرًا لغياب المعنى الحقيقي لشهادة التوحيد التي لا تتضمن توحيد الله في التشريع الذي أضافه الجهاديون إلى أنواع التوحيد التي قررها ابن تيمية، فأصبحت ثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد التشريع، وسيد قطب، شكّل مَعينًا لكل الفكر الجهاديّ بدءًا من عبد الله عزام والظواهري ووصولاً إلى جبهة النصرة وفقهاء تنظيم الدولة.

ولم أقرأ نقدًا متينًا للفكر الجهاديّ؛ فالنقد الذي قرأته محكومٌ بالتفكير الفقهي التقليدي الذي يُغرق في النقاش الفقهي الجزئي دون أن يَنْفُذ إلى تفكيك الرؤى والتصورات الكلية، فلا تزال أطروحات الجهاديين وردود بعض المشايخ عليهم يكتنفها الغموض والإشكال، حتى ظن البعض أن المشكلة في النص الفقهي نفسه، دون وعيٍ بأن المشكلة تكمن في تحولات النظام بشكل مفارق للنظام الذي تَرَكّب عليه النظام الفقهي الموروث، فافترقا مع نشأة الدولة الوطنية الحديثة، وكل هذه التشوهات القائمة ناتجة عن هذا الانفصام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى