الخطاب الإلهى

أمر إلهي للمسلمين للاعتصام بحبله المتين

القرآن الكريم يتضمن تشريعات لكل زمان ومكان

لقد اقتضت إرادة الخالق سبحانه وتعالى رحمة بعباده، أن يبعث لهم خطابًا كريمًا ليُخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعينهم على تحقيق حياة مستقرة آمنة، يتحقّق فيها العيش الكريم، بالتراحم والتَّعاون والتسامح وإفشاء السّلام بين الناس وإرساء قواعد العدل والإنصاف.

يقول المفكر العربي علي الشرفاء الحمادي في كتاب «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي»: حَمل هذا الخطاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليبلغه للناس كافة ليتدبروا آياته وما فيها من تشريعات، حيث يخاطب الله رسوله بقوله تعالى: «كِتَابٌ أنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أولُو الْألْبَاب» (ص : 29)

والذي اقتضـى مراد الله أن يجعله هداية للنّاس، وتشريعًا صالحًا لكل زمان ومكان يتوافق ومتطلبات المجتمعات الإنسانية على مر العصور بما يحمله من قيم إنسانية عظيمة ومن تشريعات تتوافق مع متطلبات المجتمعات البشرية على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم.

الاعتصام بالقرآن الكريم

يضيف علي الشرفاء أنه قد أمر الله ـ تعالى ـ المسلمين بضرورة الاعتصام بالقرآن الكريم، تحصينًا لهم من أسباب الفُرقة، وحماية لهم من الفتن، ملتَفّين حول الخطاب الإلهي، ينهلون من آياته، ما يعينهم على تسيير أمور مجتمعاتهم، على أساس من الرحمة والعدل، والمحبّة والسّلام، ويُحذّرهم المولى عزّ وجلّ، بعدم التفرق بقوله سُبحانَه:

«وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (آل عمران : 103)

وبدلًا من أن يكون القرآن المعين الذي لا ينضب نوره، يستضيء به العلماء من ظلمة العقل وشهوات النفس، ليستعينوا به على اتّباع آياته ومعرفة مراد الله لخلقه ويطبّقون خارطةً للطريق الذي وضعه الله للناس في المنهج الإلهي بآياته المضيئة الجَليّة، فتحفظ للإنسان حريته وحرمته وكرامته وأمنه ورزقه، فإذا بهم هجروا القرآن، واستبدلوه بروايات الإنسان، التـي ليس لها سند مقنع ولا دليل معلوم يؤكد صحتها. وعلى العكس من ذلك تتعارض مع آيات القرآن الكريم وتسيء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، بل استحدثها شياطين الإنس، لخدمة المآرب الدنيوية، والتقرُّب بها للسلطان، غطاءً لحُكمه وإعلاءً لشأنه.

تشريعات كتاب الله صالحة لكل زمان

يشير المفكر العربي علي الشرفاء إلى أن الله أمر الناس في مُحكم كتابه بالتدبّر واحترام العقل وتنمية الفكر والارتقاء به، وتنقيته من الخرافات والأوهام وإحكام المنطق والإيمان باعتماد القرآن وما في آياته من دلالاتٍ تؤكد للناس أن يحرّروا عقولهم ولا يرتهنوا لمقولات تواترت عبر القرون، ولا يقدّسوا الأشخاص مهما بلغ علمهم؛ فإنّهم بشر يخطئون ويصيبون، وما صاغته أفهامهم عبر القرون الماضية حسب قدراتهم الفكرية وحسبما أملت عليهم ظروفهم الاجتماعية ومصالحهم الشخصية وانتماءاتهم.

لقد وضع الله سبحانه وتعالى قاعدة عظيمة تأمرنا جميعًا بأن نستنبط حلولًا وقوانين للقضايا كافة في المجتمعات الإسلامية من القرآن الكريم، تتوافق مع كلِ عصر وإعادة النظر في التشريعات الماضية بما يتفق مع التشريع الإلهي تأسيسًا لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْألونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 134).

ترشدنا الآية المذكورة أعلاه، بأن كل أمة في كل عصر لها ظروفها ومتطلباتها وتشريعاتها، وسيحاسبهم اللهُ على ما عملوا من عمل صالح وسيعاقبهم على ما ارتكبوا من جُرم وآثام، ولن تكون الأمة التـي تعقبها مسئولة عمّن سبق من الأمم، لذا فهو إرشاد للناس بأن يبحثوا في كتاب الله عن تشريعات تنظم المجتمعات بها أحوالها واحتياجاتها في حاضرهم تتحلى بالقيم الأخلاقية التي أمر الله بها في كتابه الكريم وتلتزم بالمنهج الإلهي الذي أمرنا الله باتباعه بقوله سبحانه: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (النحل: 90).

استنباط التشريعات المناسبة للحياة

وبذلك يجب أن تجتهد كل أمة في كل عصر باستنباط التشريعات اللازمة، بما تحقق مصالحها الحياتية. فلن نُسأل عمّن سبقنا وكلٌّ سيحاسب بما كسبت يداه. ولن يشفع لنا من عاش قبلنا، ولن تقينا أفهام وتفاسير من سبقونا من الحساب يوم القيامة، إنّما يشفع لنا ما قدّمناه لأنفسنا وللناس في عصرنا الذي نعيشه من تشريعات مستنبطة من القرآن الكريم تضيء لنا طريق الرحمة والعدل والسلام، وعليه واتباعًا للمنهج الإلهي أن يتخذ المسلمون القرآن الكريم مرجعيتهم الوحيدة في كل ما يتعلق بعباداتهم وتشريعاتهم وما يدعو إليه من الفضيلة والأخلاق الكريمة، وبما يحمله من قيم الرحمة والمحبة والعدل والسلام بين بني الإنسان.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق