رؤى

التضامن العربي.. قبل الوداع الأخير

نزع المبادئ العروبية يفتح الباب على مصراعيه أمام الأطماع الاستعمارية

د. حسن أبو طالب
Latest posts by د. حسن أبو طالب (see all)

تحت هذا العنوان كتب حسن أبو طالب؛ مقاله المنشور في جريدة (الوطن) المصرية عن خطط الاستقطاب لهدم معاني العمل العربي الجماعي..

وجاء في المقال:

بين الحين والآخر تخرج دعوات من مسئولين عرب ومثقفين تطالب باستعادة التضامن العربي وتفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، التي صدّقت عليها الجامعة العربية في أبريل 1950، ولم تُطبق من قبل.

وينادي البعض بالسعي نحو استعادة نوع من القيادة العربية الجماعية لتنشيط العمل العربي الجماعي ومواجهة التحديات والتهديدات التي تواجه الدول العربية كلًا على حدة، وأخيرًا نشطت حوارات فكرية حول هذه الدعوات، لكنها دارت في غرف حبيسة، ولم يكن لها تأثير يُذكر على الحوار العربي العام.

بل ما يحدث فعلًا بين مجتمعات عربية وبعضها، كما هو الحال في مواقع التواصل الاجتماعي، يدفع إلى ترسيخ التباعد العربي العربي وإثارة الكراهية المتبادلة، وليس العكس.

تدهور منظومة العمل العربي

تعكس مثل هذه الدعوات مدى التدهور الذي أصاب منظومة العمل العربي المشترك، وقصور التفاعلات الرسمية وحدها في احتواء تلك المخاطر والمحافظة على حد أدنى من التفاعلات العربية الصحية رسميًا وشعبيًا، كما تعكس المدى الخطير الذي يلعبه ناشطون سياسيون وبعض برلمانيين وإعلاميين، سواء كانوا معبّرين عن قناعات ذاتية وشعوبية، أو مجرد دُمى يتم توجيهها من وراء حُجب لصب المزيد من الزيت على نار تجتهد قلة عروبية في إخمادها قبل أن تتحول إلى حريق يلتهم الجميع بلا استثناء.

وفي كلتا الحالتين فإن النتيجة واحدة، وهي ارتفاع مستوى الغضب الشعبي المتبادل، ما يحد من إمكانية احتواء المخاطر الجماعية، وانغماس كل دولة عربية في محاولات النجاة الفردية، والتي تتحول بعد حين إلى مصيدة يتخبط فيها الكثير من الأقدام، وتضيع معها البوصلة العربية لصالح بوصلة انتهازية واستعمارية وشعوبية وبمظلات شتى إيرانية أو تركية أو إثيوبية.

طموحات القوى الإقليمية، ومن ورائها مطامع وخطط أوروبية وأمريكية وصينية وروسية، ليست هي الأساس، فكل الدول تسعى لتحقيق مصالحها على حساب الغير. وإنما الأساس هو تخبط السياسات العربية ونزع المبادئ العروبية منها نزعًا كليًا أو جزئيًا، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام أطماع ومؤامرات القوى الإقليمية والدولية، والتي طالما خططت وتآمرت واستقطبت الضعفاء والأزلام والتابعين والخونة من بني العرب لهدم كل معاني وأسس العمل العربي المشترك، وهو ما أصاب النجاح في بعض حالات، وقف أمامها العرب وكأن الأمر لا يعنيهم، ربما لأنها تتم بعيدًا جغرافيًا، أو ربما بسبب الشعور بالضعف، أو انتظارًا لمكافأة ما، وفي النتيجة الكلية سُحقت فكرة التضامن العربي تمامًا.

خيانة الأوطان

دور الخيانة في التاريخ معروف، فكل الخونة قدموا الكثير لمن تصوروا أنهم سيقدرون تلك الخيانة وسيجزلون العطاء نظير تسهيل القضاء على بلدانهم أو وضعها تحت الحماية والوصاية غير المشروعة، ولكنهم في النهاية ضُربوا في مقتل ولم يهنأوا بمكافأة أو أجر، ولا تُذكر أسماؤهم إلا مصحوبة بالاستنكار والمهانة واللعنات.

كل من يسهّل استعمار بلاده أو وضعها تحت وصاية أجنبية أو يمارس دورًا مباشرًا أو غير مباشر في ضرب استقرار مجتمعات عربية أخرى، أو يشن عليها حملات إعلامية ودعائية بغية إسقاطها من الداخل، سواء دول كقطر أو جماعات إرهابية كالإخوان وأنصارهم، هم من تلك الفئة الخائنة البغيضة والملعونة في الدنيا والآخرة. تصرفات هؤلاء ترجع لغيبوبة عروبية، ولتكوينهم الذاتي واستعدادهم لأن يكونوا قوادين سياسيين، وثالثًا ارتباطات أيديولوجية توظف الدين لأغراض دنيوية بحتة.

والنتيجة تخصم الكثير من أسس التضامن العربي، وتحوله إلى عبء على البعض ممن يضعون الانتماء للعروبة أولوية لهم. الذين يفرحون لأزمة بلد عربي آخر، ويثيرون الفتن، ويمدحون الخونة باتوا كثيرين ومطلوب تعريتهم وصد تأثيراتهم فعلًا، وليس فقط بالتعبير عن الاستياء اللفظي الذي لا يُغني ولا يسمن.

جزء من الصورة العربية العامة يكشف عن غياب التفكير العقلاني ذي الطابع المستقبلي. حالتا سوريا وليبيا تفصحان عن الكثير في هذا المجال. إسقاط سوريا أو الصمت عن ذلك وعدم مقاومته، وتقديمها فريسة لكل من هب ودب من دول وجماعات إرهابية وتقسيمها ونهب ثرواتها واحتلال ثلث مساحتها، لا تقف تأثيراته على سوريا وحدها، فضعف المواجهة العربية رفع مطامع المحتلين والاستعماريين، كما هو الحال لتركيا وإيران، لمزيد من الاندفاعات نحو العراق وليبيا والصومال والكويت واليمن ولبنان.

تأثير من بؤر الإرهاب

كل هذه الحالات العربية المرتبكة والفاشلة بمعايير الدولة الوطنية هي نتيجة مباشرة لخيانة القومية العربية بمستوياتها المختلفة.

حذرنا كثيرًا من تحول ليبيا إلى بؤرة للإرهاب، تمتد تأثيراتها إلى الجوار المباشر عربيًا وأفريقيًا، ونادينا بعمل عربي جماعي ضد عملاء تركيا وأذنابها، على الأقل تقوده دول جوار ليبيا.

دعوات تحقق مصالح وأمن الدول المحيطة بليبيا لم تجد القبول المناسب. كثيرون أغمضوا أعينهم، وبعضهم سد الآذان، وما زال يسدها تمامًا، رغم كل الشواهد والدلائل على أن ليبيا تحت الوصاية التركية هي قنبلة موقوتة سوف تنفجر في وجه المتقاعسين.

ثمن المواجهة اليوم هو أقل بكثير من ثمن المواجهة لاحقًا. نأمل صحوة وعي ذاتي وعروبي في آن واحد. الاستثمارات التركية الموعود بها بعض العرب حول ليبيا، ومعهم بعض الأفارقة ليست سوى طعم سيقود إلى مهالك لا حصر لها. من يأتي بالإرهاب والمرتزقة ويسيطر على موارد ليبيا ويقيم فيها ليحرك الاضطرابات حولها يستحق الرد بمواجهة فاعلة وليس بسكون وجمود، فالزمن لا يقف أبدًا مع الجامدين الساكنين الغافلين.

الدول العربية التي ما زالت تحافظ على قوامها كدول وطنية متماسكة، وتلتزم بحد أدني من التضامن العربي، تجد الصد والمراوغة من الخونة وداعمى القضاء على العرب والعروبة، وليس أمامها سوى مسارين عمليين، إما التبرؤ التام من العرب والعروبة والبحث عن مصالحها الذاتية المباشرة، ما يزيد التفكيك في المنطقة ويعطي فرصًا أكبر لقوى الاستعمار والطمع والخيانة لتحقيق مكاسب أكبر حجمًا وأوسع انتشارًا، ما يضع قيودًا على تلك الدول في المستقبل ويحاصر منجزاتها ويزيد التهديدات والمخاطر حولها.

ضرورة التعاون بين العرب

أما المسار الثاني فهو أن تشكل تلك الدول حائط صد جماعيًا ضد خائني العروبة وداعمي الاستعمار. هناك صعوبات بالقطع، والاستعداد لها مطلوب. التخلي عن مبدأ الخلاص الفردي أهم عناصرها، قبول التعاون الشفاف مع العرب الصادقين هو طريق الخلاص للجميع.

حملة منسقة بين هؤلاء لفضح خونة العروبة هي أولى الخطوات، مصحوبة بتنسيق عملي وليس مجرد أمنيات. الصحوة العروبية المطلوبة ليست مجرد شعار، ولكي تحقق أهدافها علينا أن نتعامل معها كاستراتيجية للبقاء والنهوض، والحفاظ على هويتنا كمجتمعات مستقلة وفاعلة إنسانيًا وحضاريًا.

الوسوم
اظهر المزيد

د. حسن أبو طالب

خبير مصري بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية التابع لمؤسسة "الأهرام".

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق