رؤى

التفكير في مصر ساعة الأزمة!

المتواليات من الأحداث المتراكمة تفصح عن ألغاز وتناقضات

قبل أن ينتهى الأسبوع الأول من حرب غزة الخامسة، نظر إلىَّ أحدهم شزرًا، أثناء مناسبة اجتماعية، متسائلًا لماذا لم تقل أو تكتب شيئًا عما يفعله الإسرائيليون في قطاع غزة؟.

كان في نظراته اتهام بالتقصير أكثر منه اهتمامًا بمعرفة حقيقة ما يجرى، ولم يكن الموقف يسمح بالاعتذار ولا بالتبرير، وإنما كان مؤثرًا بما فيه من أن الأزمة قد مسّت أوتارًا حساسة في العقل والقلب المصرى. لم يكن الرجل يسأل السؤال التقليدى: إلى أين مصر ذاهبة؟، ولا كان أيضًا السؤال غير التقليدى، الذي يأتى على العاتق بأحمال ثقيلة عن متى تنتهى الأزمة الاقتصادية الراهنة؟.

بحكم المهنة، وبحكم وجودى وقت بداية الأزمة في الولايات المتحدة، فإن المشهد المفاجئ لأحداث السابع من أكتوبر كان مذهلًا، وما تلاه من أحداث في اليوم التالى وما بعد ذلك من رد فعلى إسرائيلى مروع، وكذلك ما نتج عنه من مواقف غربية مساندة لإسرائيل بأكثر مما هو مقدر من قوى عالمية قادرة على معرفة كيف تراكمت نتائج الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية وأراضٍ عربية أخرى.

هذه المتواليات من الأحداث المتراكمة تفصح عن ألغاز وعن تناقضات لا مفر معها من اللجوء العلمى لما هو معلوم ومتاح، واستخدام وسائل التحليل الممكنة للاقتراب من حدث لا يزال في دور التكوين.

هذه الألغاز أثرتها، قبل أسبوع، في مقالى السابق، ولكن ما كان أشد إلحاحًا هو كيف تتعامل مصر مع هذه الأزمة الجديدة، التي تُضاف إلى أزمات سابقة تعرضت لها الدولة المصرية، بينما تقوم بأكبر عملية لتنمية مصر، ربما منذ النقلة التنموية الكيفية التي حدثت في مصر منذ عهد الخديو إسماعيل، الذي عرفت مصر في عهده بناء المدن الجديدة، وإقامة المعاهد الحديثة، والترع الممتدة، وتعليم البنات؟!.

كان واضحًا عند النظر إلى الأزمة الجديدة أن هناك الكثير من عناصر التشابه ما بين حرب غزة الخامسة، والحروب الأربع السابقة من حيث السيناريو، الذي يبدأ بخطوات متعنتة من جانب إسرائيل إزاء الشعب الفلسطينى، إلى قيام حماس أو الجهاد الإسلامى أو كليهما معًا بالضغط العسكرى على إسرائيل، إلى رد فعل إسرائيل القاسى باستخدام ضربات جوية كثيفة ومدمرة لقطاع غزة، إلى تدخل القوى الدولية والإقليمية، وفى المقدمة منها مصر، لتخليص غزة من نتائج مخالفة إسرائيل كافة القوانين الدولية المرعية فيما يخص البلاد المحتلة.

ولكن الحرب الخامسة تختلف من حيث النوعية في كل ما سبق، حيث تضاعف العنت الإسرائيلى إزاء الفلسطينيين بتولى نتنياهو مع تحالف يمينى يوجد فيه مؤمنون بضرورة السعى حول نكبة أو نكبات فلسطينية للتخلص من الضغط الديمغرافى الفلسطينى على التواجد اليهودى ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط. كذلك فإن «السلام الإبراهيمى» أخذ في التطور إلى استيعاب المملكة العربية السعودية داخله، وأكثر من ذلك وضع هذا التطور في إطار من الأمن الإقليمى الذي يربط المملكة، وربما معها دول الخليج، في إطار من التحالف الأمنى مع الولايات المتحدة يشبه ذلك الذي تقيمه واشنطن مع كوريا الجنوبية، مع إعطاء المملكة فرصة لإنشاء قدرات نووية يمكن تخصيبها، وتُستخدم للأغراض «السلمية»!.

مثل هذا الوضع كان يمثل انقلابًا جذريًّا في التوازنات «الجيوسياسية» و«الجيواستراتيجية» في الشرق الأوسط وبالنسبة لإيران، فضلًا عن الإسهام في تراجع «القضية الفلسطينية» بين أولويات القضايا الإقليمية المهمة. هذا الوضع خلق تآلفًا بين إيران وحلفائها من التنظيمات التابعة في المنطقة (الحوثيون في اليمن، والحشد الشعبى في العراق، والحرس الثورى في سوريا، وحزب الله في لبنان) مع التنظيمات الفلسطينية «الإسلامية»- حماس والجهاد الإسلامى- للقيام بعمل عنيف يفسد المسار السعودى الأمريكى.

إشعال «القضية الفلسطينية» من خلال مفاجأة استراتيجية مدروسة جرَت في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ونتجت عنها الإطاحة باستراتيجية الردع الإسرائيلية، وسقوط ١٤٠٠ من الضحايا الإسرائيليين، (بعد ذلك، ولسبب غير معروف، انخفض العدد إلى ١٢٠٠)، وأعداد أكبر من الجرحى، وتهديد الحكومة القائمة في إسرائيل، خلق سلسلة من الأفعال الإسرائيلية العنيفة للغاية تجاه قطاع غزة، نجم عنها ما يقرب من ١٣ ألفًا من الضحايا وأضعافهم من الجرحى ومنهم ٨٥٠٠ من الأطفال والنساء، فضلًا عن تدمير البنية الأساسية لقطاع غزة بأكمله وبما مقداره ٤٥٪ من الوحدات السكنية، مع إجبار الفلسطينيين في شمال القطاع على اللجوء إلى جنوبه.

خسائر مصر من الحرب لم تكن قليلة، فقد أحبطت الحرب الموسم السياحى الواعد في مصر، كما جعلت جهود مصر للخروج من الأزمة الاقتصادية أكثر تكلفة؛ ومن الناحية السياسية، فإن الأزمة خلقت حالة من الاندفاع العاطفى لتأييد الفلسطينيين، حاولت المعارضة الإخوانية والليبرالية والقومية استغلاله في التشكيك في قدرات النظام السياسى.

ورغم هذه الأعباء، فإن الدولة المصرية كما أسلفنا نجحت في وقف الاتجاه الغربى والإسرائيلى في دفع الفلسطينيين إلى سيناء، وأكثر من ذلك، فإنها سرعت من عمليات تعمير سيناء.

من الناحية السياسية والدبلوماسية، فإن مصر قامت بعدد من الخطوات الإيجابية للتهدئة، تمثلت في عقد مؤتمر للسلام في وسط الأزمة. وكان انعقاد مؤتمر السلام في العاصمة المصرية الجديدة بمثابة معارضة مصرية لتيار الحرب الذائع، وجاءت النتيجة في بيان الدول التسع العربية، التي تضم دول مجلس التعاون الخليجى الست ومصر والأردن والمغرب.

الدول يجمعها بقوة الإصلاح الداخلى الذي يسعى إلى نهضة تاريخية للبلدان العربية، وتتمسك بالسلام والتنمية، بينما تبذل جهدًا فائقًا من أجل تحقيق الاستقرار في منطقة استعصت عليه. ست من هذه الدول لديها اتفاقيات سلام مع إسرائيل، والأخرى لا تختلف من حيث التوجهات الاستراتيجية، التي ترمى إلى تحقيق الاستقرار الإقليمى اللازم لعمليات النمو والتنمية الداخلية.

البيان الذي صدر عن هذه الدول كان متوازنًا في نظرته للأمور، حيث أدان الاعتداء على المدنيين، وطالب باستئناف عملية السلام على أساس حل الدولتين، وأعاد الاعتبار إلى منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية. كانت هذه بداية حل الأزمة الراهنة.

البيان الذي صدر بعد ذلك عن القمة العربية الإسلامية ممثلة ٥٧ دولة، يوجد فيها ثلث سكان العالم، أكد كل ما سبق، وبقدر ما أدان الممارسات الإسرائيلية، فإنه وضع مجموعة من الإجراءات السياسية والعملية، التي تجعل العالم متيقظًا لما يحدث في غزة.

النتيجة، ووقت كتابة هذا المقال، تحققت إقامة أول هدنة في الأزمة اعتبارًا من الخميس ٢٣ نوفمبر الجارى، ولمدة أربعة أيام، قابلة للامتداد يومًا، مع الإفراج من قِبَل منظمة حماس عن عشرة جدد من الرهائن.

هذه النافذة الصغيرة على الأرجح سوف تفتح طريقًا إلى المفاوضات، مع ملاحظة أن الثابت هو أن الطرفين وعدا جمهورهما باستمرار القتال، خاصة على الجانب الإسرائيلى. السؤال الآن هو: كيف لمصر أن تسير في هذه الطرق المتعرجة بين السلام والحرب، وأن تستمر في طريقها التنموى في نفس الوقت؟. تلك هي المسألة!.

المصري اليوم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى