رؤى

«التمكين» بين الحقيقة والوهم

استدعت جماعة الإخوان السيرة النبوية، وقدمت لها قراءة أيديولوجية من أجل إخراج نصوص أنزلوها على أنفسهم

حسين القاضي
Latest posts by حسين القاضي (see all)
تحت عنوان «فكرة التمكين بين الحقيقة والوهم» كتب حسين القاضي مقاله المنشور في جريدة «الوطن» المصرية تناول فيه الفهم الخاطئ للتمكين ..وجاء في المقال:

لم تتوقف طوال السنوات الثمانين الماضية المفاهيم والأطروحات والاستدلالات المغلوطة التي تلصق بالشرع أفهاماً مغلوطة، ومقولات مضطربة، سببها؛ أولاً: الضغوط النفسية الهائلة التي يقوم بها المنظرون لهذه المفاهيم، وثانياً: دخول عدد من غير المتخصصين من الأطباء والمهندسين وأصحاب الحرف والمهن المختلفة في مجال العلم الشرعي، حتى صار العلم الشرعي مجالاً فسيحاً لمن لا يجد حرفة من غير أن يمتلك الأدوات التي تمكنه من الاستنباط، وثالثاً: عدم قيام المؤسسات الدينية بمهمتها الكاملة في مواجهة هذه الأفكار المنحرفة.

التمكين جوهر المنظومة الفكرية للتيارات الإسلامية

في مقال اليوم نتناول فكرة «التمكين» التي تمثل العصب والجوهر للمنظومة الفكرية لسائر تيارات الإسلام السياسي التي خرجت منها، ولم تقم فكرة التمكين على أساس صحيح من التبصر وإعمال العقل والفكر المنضبط في النصوص الشرعية، بل توقف عند معنى واحد، هو محاولة الاستحواذ على مفاصل الدولة.

ومن ثَمَ فقد استدعت جماعة الإخوان السيرة النبوية، وقدمت لها قراءة أيديولوجية من أجل إخراج نصوص أنزلوها على أنفسهم من أجل التمكين، ومن الكتب التي انتشرت بين الشباب وقدمت هذا الاستدعاء للسيرة النبوية كتاب منير الغضبان، وعنوانه: «المنهج الحركي للسيرة النبوية»، وقد صرَّح في مقدمة الكتاب بأنه استقى الفكرة من كتاب «معالم فى الطريق» لسيد قطب، ثم عمل «الغضبان» على توظيف السيرة النبوية من خلال إسقاطات وتصورات وقياسات فاسدة من دون إحكام الشروط العلمية المؤدية إلى المطابقة الصحيحة، ليصبح أسيراً لاجتهادٍ واحد لا غير.

لقد رأت جماعة الإخوان أن أهدافها لن تتحقق إلا بالتمكين لها ولأفرادها فى قطاعات الطلاب، والعمال، والمهنيين، ورجال الأعمال، والمناطق الشعبية ومؤسسات الدولة المختلفة، خاصة المؤسسات الدينية، ويعتبرون أن محاولات التوغل هذه من شأنها التمكن من إقامة السلطة والتمكين لدين الله في الأرض.

فكر الإخوان للتمكين

يقول محمد على الصلابي، وهو من أبرز دعاة الإخوان، في كتابه (فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم: أنواعه): «إن التمكين لدين الله هو الهدف الأكبر لكل مفردات العمل لأجل الإسلام»، ثم ينتقل لشرح مرحلة من مراحل التمكين يسميها: (مرحلة المغالبة)، يقول فيها: «إن مرحلة المغالبة أن تكون جميع الكوادر في جميع المجالات مستعدة للتحرك نحو تولى أمور الحكم، والتمكين لدينه، وهز عروش الطغاة، ونزع مقاليد الحكم من أيديهم»، وليس ببعيد القضية التي هزت الرأي العام في مصر المعروفة باسم «سلسبيل»، والتي تشير إلى أهمية تغلغل الإخوان في مفاصل الدولة المختلفة.

وأما التمكين في القرآن الكريم فهو تصرف إلهي يجريه الله على البشر، وليس تكليفاً بشرياً من الله بأن تتمكن، كما أنه سنة كونية قد يجعله الله للمؤمن: «وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِى الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ»، ولغير المؤمن: «أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ»، ما يدل على أن التمكين لا يدل على إيمان وتقوى وتميز الممكن له.

وقد فهم البعض النصوص الواردة فى القرآن على أنها أمر بالسعي لتحصيل التمكين، وإقامة الخلافة، وانطلقت فكرة التمكين من فكرة الحاكمية التي شغلت حيزاً كبيراً في عصرنا الحديث، وتصوير فكرة التمكين على غير وجهها كان له الأثر السيئ على عقلية كثير من أفراد الحركة الإسلامية.

والخلاصة أن التمكين الوارد في القرآن معناه العمران والنهضة والحضارة، وهو أثر لمجموعة من الأوامر المتعلقة بالإيمان والهداية والأخلاق والجد والبحث العلمي والعطاء، وقصره على مفهوم واحد وإلغاء الأبعاد الأخرى ينتهي إلى أن تُلصق بالقرآن أفهام مغلوطة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى