أخطاء شائعة

التنوير.. ونور البصيرة.. وظلام البصر

من لا يفهم يصبح أسيرًا لمن يقدمون له معرفة منقوصة أو مُحَورة ويتملكون عقله

تحت عنوان «التنوير ونور البصيرة وظلام البصر»، كتب د. حسام بدراوي مقاله في «المصري اليوم» حول عميد الأدب العربي د.طه حسين ومعركته التنويرية وما أثارته بعض مؤلفاته من جدل.

يقول الكاتب تعقيبًا على مقال بشأن تكريم د.طه حسين في معرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي عقد مؤخرًا: تذكرت وأنا أقرأ المقال وأتمعن في معانيه، أربعة أمور حول عميد الأدب العربي أَثّرت وأَثْرت عمقًا وجدانيًا..

د.طه حسين ومعركته التنويرية

ومن تلك الأمور يقول كاتب المقال: هي كتابُه «في الشعر الجاهلي» الذي أثار زوبعة رهیبة عند نشره وجعلني أتعجب، وأنا شاب في العشرینیات من عمري، وأنا أقرأه أول مرة، وأعيد التعجب والدهشة وأنا أعيد قراءته وأناقشه، وأنا قرب السبعين من عمري، عندما بدأت به أولى ندوات جمعية نشر الثقافة والمعرفة، عن بعد، قبل أزمة الكوفید، وقبل أن یبدأ الكل بالتواصل بهذه الطريقة.

ويضيف الكاتب: في المرة الأولى قرأت وأُعجِبت بالكتاب ومنهجه، وفي المرة الثانية كان تَعَجبي ودهشتي نابعين من موقف رجال الدين والسياسة منه، في وقت نشر الكتاب في منتصف العشرينيات من القرن العشرين، وتكفیرهم وطردهم طه حسين من جنتهم لأخذه بمنهجیة ديكارت في الشك قبل التحقق، وبما طرحه من أفكار حول صحة زمن الشعر الجاهلي.

فوز العقل وثبات العلم

ويشير د.البدراوي إلى أنها كانت حملة شعواء، لكنها انتهت بفوز العقل وثبات العلم، كما كان قد حدث في عصر التنوير في أوروبا عندما واجه المنهج العلمي والفلسفي لرواد التنوير تصلب الكنيسة وتمسكها بسلطتها الدنیویة بعباءة إلهیة، وكنت أتفكر قائلًا لنفسي آه لو كان طه حسين ينشر أفكاره في زماننا هذا لكان قد وقع في براثن تهمة ازدراء الأديان، ولكان وجود وكيل نيابة مثل الأستاذ محمد نور الذي حقق معه في هذا الزمن وكَتب وثيقة براءته أمرًا شبه مستحيل.

ثم يذكر الكاتب أمرًا آخر هو أن عقد العشرينيات من حياة مصر، الذي ظهر فيه كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي»، وكتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ على عبدالرازق، كان مخاضًا للدولة المصرية الحديثة، التي بدأ الحمل فيها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بكل رجالها ونسائها الذين سافروا وتعلموا وتفاعلوا مع الثقافة العالمية، وكتبوا وواجهوا وترجموا وتحاوروا واجتمعوا واختلفوا وأنشأوا المجلات والصحف.

موقف سياسي من كتاب «في الشعر الجاهلي»

ويؤكد الكاتب على رؤيته فيقول: إنني بإعادة القراءة بإمعان في تفاصيل هذا العقد لفت نظري موقف سياسي من الزعيم سعد زغلول دَلني على تداخل الوجدان الديني في فلسفة الحكم منذ ذلك الزمن.

وتابع: شخصية سعد زغلول، الزعيم السياسي الذي قاد ثورة ١٩، وكان له أكبر الأثر في عشرينيات القرن العشرين، حيرتني في ثنائية فكره إزاء الدولة المدنية والدولة الدينية، التي ظهرت في موقفه من د. طه حسين وكتابه «في الشعر الجاهلي»، والشيخ على عبدالرازق في كتابة «الإسلام وأصول الحكم»،

ولفت الكاتب إلى ملاحظته بشأن ذلك: هذه الثنائية جعلتني، كناظر للتاريخ، أفكر في تداخل الدين في السياسة، في زمن انتهاء عهد الخلافة الإسلامية التي مثلتها الدولة العثمانية وأخذت بالدول الإسلامية إلى أدنى مراحل تاريخها، ثم استقلال مصر، وبداية تحولها إلى دولة مدنية حديثة، لها دستور ويحكمها القانون، وبداية ملء الفراغ الديني السياسي بظهور بديل ديني للحكم العثماني يدعو إلى خلافة جديدة تحت عباءة جديدة. إلا أن الحركة المدنية التنويرية أوقفت تحويل سلطنة الحكم في مصر إلى خلافة جديدة، كما أرادت الأسرة العلوية وقتها، ومنعت ذهاب الحاكم إلى الأزهر ليكون توليه الحكم بمظلة دينية.

صراع فصل الدين عن نظام الحكم

ويستطرد صاحب المقال: بدأ صراع جديد في العشرينيات بين مبدأ فصل الدين عن نظام الحكم حماية للاثنين ومبدأ وضع السياسة تحت مظلة رجال الدين مرة أخرى.

ويضيف، اتُهم التنوير بأنه تغريب واتُهمت محاولات نشر ثقافة فصل الدين عن السياسة وكأنها هز ما كان يُعتقد أنه ثوابت الإسلام. نعم، انتهت الخلافة الإسلامية بكل مآسيها الثقافية والاجتماعية والسياسية بهزيمة تركيا واستقلال مصر، إلا أن الحنين إلى الماضي والتمسك بأركانه كان مستعدًا لمعركة جديدة شممت فيها رائحة المخابرات البريطانية بهدف إغراق هذه الأمة في صراع ديني يوقف التنمية ويجرها إلى الماضي فكان تكوين تنظيم الإخوان المسلمين عام ٢٨ بمساندة بريطانية.

ولفت الكاتب إلى أمر بالغ الأهمية فيقول: ما تعجبت منه كان موقف زعيم الأمة الذي خلط الدين بالسياسة بالهجوم على طه حسين وعلى على عبدالرازق وقبول اتهامهم بالخروج عن الإسلام، وقد كانوا خصومًا سياسيين له.

تغير ونمو الوعي

وأشار إلى أمر آخر هو ملاحظته تغير ونمو الوعي لديه بمرور الزمن وتراكم الخبرة، فيقول: قد كنت، وأنا شاب، متأثرًا بخصومة الأستاذ العقاد الأدبية مع الدكتور طه حسين، آخذا جانب العقاد بلا مواربة ولا روية ولا فهم متكامل، بروح تحدي الشباب والاندفاع نحو ما يحب، إلا أن ذلك تغير بمرور السنين ونمو الوعي وإدراك عبقرية الاثنين، وازدياد إعجابي بالدكتور كلما قرأت له، ثم تأثري العميق بعد ذلك بكتاب «مستقبل الثقافة في مصر»، (صدر ١٩٣٨)، الذي أثراني وزاد من معرفتي بالثقافة والتعليم وصنع جزءًا من وجداني.

يقول الدكتور طه حسين في ذلك الكتاب، وأكرر ما كتب في محاضراتي عن التعليم العالي والجامعات:

«إن الجامعة لا يتكون فيها العالم وحده، وإنما يتكون فيها الرجل المثقف المتحضر الذي لا يكفيه أن يكون مثقفًا، بل يعنيه أن يكون مصدرًا للثقافة، ولا يكفيه أن يكون متحضرًا، بل يعنيه أن يكون منميًا للحضارة، فإذا قصرت الجامعة في تحقيق خصلة من هاتين الخصلتين فليست خليقة أن تكون جامعة، وإنما هي مدرسة متواضعة من المدارس المتواضعة، وما أكثرها، وليست خليقة أن تكون مشرق النور للوطن الذي تقوم فيه، والإنسانية التي تعمل لها، وإنما هي مصنع من المصانع، يعد للإنسانية طائفة من رجال العمل، محدودة آمالهم محدودة قدرتهم على الخير والإصلاح».

ويقول أيضا: «إن الأمية ليست هي أمية القراءة والكتابة فقط، بل هي أيضًا أمية القراءة والكتابة والفهم، فمن لا يفهم يصبح أسيرًا لمن يقدمون له معرفة منقوصة أو مُحَورة ويتملكون عقله».

وكأنه كان يضع فلسفة اتساع المعرفة وبناء الشخصية والقدرة على الاختيار الذي يجعل من البشر صانعي حضارة أمام أعيننا.

رحمة الله على عباقرة مصر الذين صنعوا تنويرها، وعلى طه حسين الذي أضاء في عقولنا نورًا رغم ظلمة عينيه، ونحن ما زلنا بعد مائة عام نصارع عتمة وظلامًا يحاول نشره الكثيرون من مُبْصري زماننا الحالي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى