رؤى

الجدل الخطابي بين تنشيط الفكر وإثارة الوجدان

القرآن الكريم وضح طرق إدارة الخلاف وكيفية التعامل مع المخالفين

بكر العبد المحسن
Latest posts by بكر العبد المحسن (see all)

تحت هذا العنوان كتب بكر العبد المحسن مقاله المنشور في جريدة «الوطن»، السعودية متناولًا فيه قضية الجدل الخطابي وما ترتب عليها من نتائج ..

وجاء في المقال:

الجدل ضرْب من الخصومة والغالبة بالحجة بين المتجادلين في قضية ليسوا فيها على اتفاق، ويحاول كل مجادل أن تكون له الغلبة والانتصار في ساحة المحاججة مستخدمًا كل وسائل الإقناع بالقوة، كنزال المتصارعين في الحلبة، لا يزال كلاهما ممسكًا بصاحبه حتى ينتصر عليه ويلقي به على الأرض واهنًا مخذولًا.

فالجدل مدعاة للإثارة والمخاشنة والسخرية وطمس الحقيقة بالحيلة والافتراء، ويؤدي إلى الانتقام والكراهية بأشكالها كافة، مع الاستحالة أن يبلغ الجدل منتهاه ويؤتي ثماره المرجوة.

الجدل ونشأة علم الكلام

ومع انقسام المسلمين منذ الصدر الأول ونشأة الفرق الإسلامية ومذاهبها ودخولها في عالم السياسة، وتأكيد وجودها وأحقيتها في الخلافة وشؤونها، وأنها امتداد للنبوة ومصادر التشريع، نشأ علم الكلام الذي يبحث في العقيدة وعلم الفقه في الشريعة، وكلاهما تناولا مسألة الخلافة أو الإمامة باعتبارها قضية دينية يجب البحث فيها عبر مصادر التشريع من قرآن وسنة وإجماع وقياس، وقد أدى هذا المبحث إلى جدل خطابي ديني واسع بين المسلمين.

استخدمت فيه كل المذاهب والفرق إمكانياتها وجهودها وأبحاثها من أجل تطويع النصوص والأدلة من القرآن والسنة، من أجل إثبات صحة نظريتها وتثبيت دعائم عقيدتها، وانتقل هذا الجدل في الخطاب الديني إلى عامة المسلمين في نظرية الحكم في الإسلام وأدى إلى العنف والقطيعة والكراهية والتصنيف والفرز والتكفير في بعض الأحيان.

وقد شمل الجدل الديني بناء على الاختلاف في نظرية الحكم في الإسلام كافة الجوانب في الفكر الديني، مستخدمًا الأسلوب الجدلي الخطابي في الإقناع كنوع من المشادة الكلامية مع الخصم بهدف إفحامه وإقناعه والعمل على إفساد براهينه، وتحميلها ما لم يكن الخصم يقصدها.

وفي المقابل فإن الجدل الخطابي الديني، وبعد إسقاطه الخصم وتشويهه واستبعاد براهينه، فإنه يتجه إلى نسخ الخيال لكسب عاطفة المناصرين والتابعين له كوسيلة ضرورية بعد صراع مرير مع الخصوم لإثارة الوجدان وإلهاب العواطف بالصور الخيالية والتعابير الفنية والمواقف العاطفية والسيرة الشخصية والظلم الذي وقع عليها، والمأساة التي تعرض لها بأسلوب بلاغي وفني هدفه الدعاية والانتماء والتأييد وكسب مزيد من الأنصار.

قضية الجدل الخطابي في القرآن الكريم

وتُعتبر قضية الجدل من أهم القضايا التي طرحها القرآن الكريم وأكد عليها في جانبيها الإيجابي والسلبي، وفي كيفية إدراتها وحُسن  التعامل مع المخالف: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ..»

وزاد في استمالة القلوب نحو المخالفين من أهل الكتاب: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ»

ودعا المسلمون إلى أهم شعيرة في الدين وطلب منهم الالتزام بما يُوحدهم والبُعد عما يفرقهم: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ ..»

إننا مدعوون إلى نظرة تأمل حول الماضي والحاضر، والأحداث التي سيطر على إدراتها قادة الجدل للخطاب الديني على المنابر الإعلامية والكتابة والتأليف في المنتديات والمحافل كافة، لتحويلها إلى صراع وكراهية وعنف سواء كان بوعي أو بجهل من أجل الحفاظ علي هوية التصنيف الديني والسياسي، مُستخدمين أدوات العاطفة سلاحًا ووقودًا في معركة الانتماء الطائفي والتبعية المذهبية والسياسية.

ومُستغلين في جدلهم أدوات تخدير العقل والتفكير على حساب تنشيطه نحو الوعي والإدراك، للوصول إلى الاستنتاج والاستقراء الشخصي وتحمل النتائج وتحرير وسيطرة العاطفة وهيمنتها، فالجدل الخطابي بين تنشيط الفكر وإثارة الوجدان قضية تستحق منا المراجعة.

اظهر المزيد

بكر العبد المحسن

كاتب سعود,مدرب في مهارات التفكير والتنمية البشرية وكايزن الياباني,وناشط اجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى