ملفات خاصة

الحرب بالوكالة.. سلاح هيمنة الدول الكبرى

هذا النوع من الحروب ينشب بدعم عسكري ومالي ولوجيستي من دولة عظمى

الحرب بالوكالة نظام تمارسه الدول الكبرى وزاد انتشاره بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك من أجل السيطرة والهيمنة الدولية، ويتم هذا إما بشكل مباشر أو غير مباشر.

حول هذا الموضوع كتب رفعت رشاد، مقاله المنشور في جريدة «الوطن» بعنوان «الحرب بالوكالة.. سلاح هيمنة الدول الكبرى».

ترسيخ نظام الحرب بالوكالة

يقول الكاتب في مستهل المقال: طغت عملية طوفان الأقصى إعلامياً وسياسياً على حرب روسيا وأوكرانيا التي تقترب مدة اشتعالها من عامين. نشوب الحروب هنا وهناك في مناطق جغرافية متعددة على سطح الكرة الأرضية يرسخ نظام الحرب بالوكالة الذي تمارسه الدول الكبرى وتستخدمها سلاحاً فعالاً لبسط سيطرتها وفرض هيمنتها وتأكيد فاعلية سياساتها على المستوى الدولي.

ويضيف: زاد انتشار الحروب بالوكالة بعد الحرب العالمية الثانية وفي فترة الحرب الباردة بين العسكرين الشرقي والغربي. اتفق المعسكران على عدم وصول الصراع بينهما إلى مرحلة الالتهاب أو الاشتعال المباشر للأخطار الكبيرة التي قد تنجم عن الصراع المباشر بينهما، وأن يتم تنفيس الالتهابات التي تحدث في بعض المناطق بحروب إقليمية تمارسها دول أخرى بالوكالة.

طرق الهيمنة الدولية

وأوضح الكاتب أن هذا النوع من الحروب ينشب بدعم عسكري ومالي ولوجيستي من دولة عظمى أو كبرى أو دولة مسيطرة في الإقليم. تخوض جيوش الدولة الوكيلة المعارك تكليفاً من الدولة الأكبر والنيابة عنها وتابعة لها وبالتالي لا تملك قرارها السياسي أو السيادي الذي يمكنها من رفض أوامر الدولة الموكلة.

ولفت إلى أنه أحياناً لا تنشب الحرب بالوكالة بصيغة أوامر مباشرة من دولة أكبر وإنما قد تثير الدولة الأكبر النزاعات بين وكيلتها وجيرانها بما يدفعها دفعاً إلى خوض الحرب وقد يكون ذلك بسبب نزاع حدودي أو على مصالح اقتصادية. وتتحمل الدولة المحاربة الوكيلة فاتورة الحرب غالية الثمن من أرواح جنودها ومواطنيها ودمار بلادها وخراب مصالحها الاقتصادية وخسارة معداتها العسكرية.

فوائد الحرب بالوكالة

وذكر أن الدول الكبرى تمارس لعبة الحرب بالوكالة لتفادى الاتهامات الدولية التي يمكن أن توجهها لها الدول الكبرى الخصوم أو من المجتمع الدولي. كما أن الدول الكبرى تحقق فوائد عديدة من وراء حروبها التي تشعلها بالوكالة، فهي تحقق أهدافاً سياسية بأقل التكاليف وبأعلى العوائد، مثل قلب نظام الحكم في دولة ما معادٍ لها وتعيين نظام جديد بدون أن تتحمل مسئولية مباشرة. كما أن الحرب بالوكالة هي حرب خارج نطاق وحدود الدولة الكبرى وبالتالي فهي لا تهم الرأي العام الذي يمكنه أن يعترض وهو في حالة الحرب خارج بلاده ومن خلال جيوش غير جيشه لا يعترض بل يرغب مواطن الدولة الكبرى في أن تتولى دولته السيطرة على ثروات الشعوب الأخرى لصالح خزانة بلاده وخزانته.

وأكد الكاتب أن من الفوائد التي تجريها الدول الكبرى زيادة عوائدها من حصيلة بيع الأسلحة للدولة الوكيلة وهو ما يراكم ثروات إضافية لديها. بالإضافة إلى أن تأجيج النزاعات والدفع إلى الحروب بالوكالة يسهم في ترسيخ مكانة الدولة الكبرى ويزيد من نفوذها في تلك المنطقة. وتستغل الدولة الكبرى فرصة الحرب وتحقيق النصر فيها لنشر عقائد معينة، كما أنها بهذه الحروب تختبر مدى قوة خصومها وقدرتها على منافستها في مكانتها.

مبررات الدول الكبرى للتدخل

وأضاف: قد تشعل الدول الكبرى حروباً بالوكالة لتبرير تدخلها المباشر بعد ذلك باستخدام شعارات يقبلها الرأي العام العالمي والداخلي مثل: نشر قيم الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وحماية الأقليات، وغيرها من الشعارات التي تتوافق مع النظام والقانون الدوليين.

وتابع:يرى العسكريون أن الحروب بالوكالة تشكل حتمية استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها للدولة الكبرى الطامعة في توسيع نفوذها وبسط هيمنتها على العالم، فتشابك المصالح في مناطق جغرافية معينة يحفز على خوض الحروب بالوكالة لتحقيق المصالح وإضعاف الخصوم، فهي حروب فعالة من حيث التأثير وأقل من حيث التكاليف من خوض الدولة الكبرى حرباً مباشرة.

الخروج عن قيم ومعايير الحروب العادية

وأوضح الكاتب أنه في الحروب بالوكالة تستخدم كل أنواع الأسلحة العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية من خلال خطط معدة مسبقاً من جانب الدولة الكبرى وتكون جاهزة للتنفيذ حسب التوقيت المحدد لنشوب الحرب عندما يحين وقت تنفيذ استراتيجية الدولة الكبرى. وغالباً ما تشهد ساحات هذه الحروب تطرفاً في الخروج عن قيم ومعايير الحروب العادية بصفة عامة.

وأشار إلى أنه قد يكون للدولة المحاربة الوكيلة مصلحة جزئية في نشوب وخوض الحرب، لكنها تدفع دفعاً للحرب وهي التي تسدد في النهاية فاتورة الحرب كاملة بشراً وسلاحاً وبنية.

أمريكا وإثارة النزاعات الإقليمية

وذكر إن أمريكا أكثر الدول في مجال اللعب بالحروب بالوكالة وأكثر من يثير النزاعات الإقليمية وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة اتفق المعسكر الغربي بقيادتها على أن روسيا والصين عدوان يجب القضاء عليهما حيث إنهما الدولتان الأكثر قدرة على منافستها على مكانة القطبية الدولية وقيادة النظام العالمي. واتفقت الدول الغربية على استمرار سياستها الاستعمارية بطرق جديدة واستنزاف ثروات دول الشرق الأوسط الغنية ودول أفريقيا والتركيز على بيع أكبر قدر من الأسلحة لها، فذلك من جانب يحقق عوائد ضخمة لهم ومن جانب آخر يدفع تلك الدول لتدمير بعضها البعض.

حروب إقليمية خاضتها أمريكا بجيشها

ويقول الكاتب: حسب هذه الاستراتيجية لم تتردد أمريكا في خوض حروب إقليمية بجيشها مباشرة لحسم نزاعات حيوية لها، من تلك الحروب حرب كوريا التي استمرت منذ عام ١٩٥٠ حتى عام ١٩٥٣ وأسفرت عن تقسيم كوريا. بعد ذلك حاولت تكرار نفس النهج في فيتنام لكن المقاومة الفيتنامية استطاعت دحض التدخل الأمريكي والحفاظ على وحدة الدولة. وكان تدخلها في ذلك الوقت لتفادي تطبيق نظرية الدومينو، أي تساقط الدول تباعاً في جعبة الشيوعية. كما تدخلت بجيشها أيضاً في صربيا والعراق والصومال وأفغانستان، والآن هي تسعى في حربها بالوكالة في أوكرانيا إلى استنزاف وتدمير روسيا.

وفي ختام المقال يؤكد الكاتب على أن الحرب بالوكالة تخدم في كل الأحوال الدول الكبرى وهي حروب قديمة قدم الإمبراطوريات التي كانت تمارس نفس النهج وإن كان ليس بالكثافة أو الدمار الحادث في الزمن الحالي، كما أن الخاسر دوماً في هذا النوع من الحروب هو الدول الوكيلة التي تخسر في كل المجالات تنفيذاً لأوامر ومصالح موكلتها الدولة الكبرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى