رؤى

الحق في المناخ الحق في الحياة!

حماية الإنسان من الآثار الضارة تدخل في المحافظة على النفس

حماية حقوق الإنسان بشأن تغير المناخ في القانون المصري، شهد تغير المناخ خلال العقدين الأخيرين تدهورًا مخيفًا، ففي كل يوم جديد من أيام السنة يزداد الاحتباس الحراري وترتفع درجة الحرارة بسبب زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة من زيادة حجم أنشطة التصنيع والابتكارات التكنولوجية الحديثة مما يؤدي إلى زيادة استخدام الوقود ومن ثم زيادة هذه الانبعاثات فضلًا عن تلوث الهواء بالأبخرة والدخان وبالغازات السامة والضارة والخانقة والحابسة للحرارة.

وفي كل يوم جديد يزداد إزالة أشجار الغابات لخلق مساحة للزراعة، ويزداد تلوث الماء في البحار والمحيطات والأنهار بحيث إن أكثر من خمسين بالمائة من كل أنهار العالم هي الآن أنهار ملوثة، بل إن التلوث قد بلغ حتى المياه الجوفية العذبة التي كان يعتقد في السابق أنها بمأمن من التلوث.

وفي كل يوم جديد يؤثر تغير المناخ تأثيرًا سلبيًا على حقوق الإنسان ومنها الحق في الحياة، والحق في التنمية، والحق في الصحة، والحق في الغذاء، والحق في المياه والصرف الصحي، والحق في المسكن الملائم، ويتعين على الدول عدم الإضرار بهذه الحقوق، والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية بما يكفل تحقيق التنمية المستدامة، وضمان حقوق الأجيال القادمة، ومن ثم فإن التخفيف من حدة آثار تغير المناخ والتكيف معه تدخل في تعزيز وتنمية وحماية حقوق الإنسان وتعتبر من الضروريات الخمس ( النفس والنسل والعقل والمال والدين).

فحماية الإنسان من الآثار الضارة لتغير المناخ تدخل في المحافظة على النفس لأن عدم التكيف مع تغير المناخ، واستنزف الموارد، والإخلال بالتوازن البيئي، أصبح يهدد حياة البشر، فتغير المناخ من العوامل التي تؤدي إلى زيادة الخطر على الإنسان وحياته يومًا بعد يوم.

وحماية الإنسان من الآثار الضارة لتغير المناخ تدخل في المحافظة على النسل لآن تغير المناخ يهدد الأجيال المستقبلة، بما يحمله في طياته من أسباب الهلاك والدمار، التي قد ينجو منها (إلى حد ما) أجيال اليوم، ولكن الخطر يتفاقم ويتكاثر ويتركز بالنسبة للأجيال القادمة، فنحن نستنزف الموارد المذخورة التي هي من حقهم، لنسرف في استهلاكها، ونحن نخل بالتوازن الكوني، الذي يضر إخلاله بهم.

وحماية الإنسان من الآثار الضارة لتغير المناخ تدخل في المحافظة على العقل لأن التخفيف من حدة آثار تغير المناخ والتكيف معه يقتضي المحافظة على الإنسان، بكيانه كله، الجسدي والعقلي والنفسي، ولا معني للمحافظة على الإنسان إذا لم تحافظ على عقله، الذي ميزه الله به.

وحماية الإنسان من الآثار الضارة لتغير المناخ تدخل في المحافظة على المال لأن تغير المناخ يوجب علينا أن نحافظ على المال بكل أجناسه وأنواعه (نحافظ على مواده فلا نتلفها بالسفه، ونستنزفها بلا ضرورة ولا حاجة معتبرة، ولا نحسن تنميتها ولا صيانتها، فتتعرض للهلاك والضياع، ولا نسرف في استخدامها، فنضيعها قبل الأوان).

وحماية الإنسان من الآثار الضارة لتغير المناخ تدخل في المحافظة على الدين لأن إفساد المناخ ينافي جوهر التدين الحقيقي في جميع الأديان، ويناقض مهمة الإنسان في الأرض، فجعل الله سبحانه وتعالي كل شيء في هذا الوجود مقدرًا ومقننًا، فكان الكون متزنا ثابتا، ولم يكن توازنه عبثًا، فالعبث بالطبيعة والإخلال بتوازنها له نتائج لعل من أوخمها هلاك النوع الإنساني !.

إذن لم تعد قضية تغير المناخ ونشر الوعي بها للتخفيف من حدة آثاره والتكيف معه مجرد قضية تتناول داخل الأروقة العلمية بين الاختصاصيين والأكاديميين وتكتب فيها الأبحاث لنيل أعلى الدرجات ثم تقبر في الأدراج، إن هذه القضية قد أصبحت بعد التقدم التكنولوجي وعتو الإنسان وتجبره وسوء إدارته وتدبيره قضية حياة أو موت، نكون أو لا نكون، ومن هنا ظهرت الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية ومنها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ الموقعة في نيويورك بتاريخ 9/5/1992 والتي وافقت عليها مصر بموجب القرار رقم 386 لسنة 1994 والمعمول بها اعتبارًا من 12/4/2005 والمنشور في الجريدة الرسمية في 22/2/2007 والموافقة على التعديلات المدخلة على بروتوكول كيوتو المعتمدة في ديسمبر سنة 2012 بموجب القرار الجمهوري رقم 395 لسنة 2019 والمعمول به اعتبارا من 3/2/2020 والمنشورة في الجريدة الرسمية في 9/4/2020 كما تم اعتماد اتفاق باريس في مؤتمر الأطراف 21 في 12/12/2015 والذي دخل حيز التنفيذ في 4/11/2016 لتعزيز العمل العالمي للتحول نحو عالم منخفض الكربون وبناء القدرة على الصمود مع تغير المناخ.

وتستضيف مصر هذا العام خلال الفترة من 7 إلى 18 نوفمبر بمدينة شرم الشيخ الدورة 27 من مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP27).

وقد حرص الدستور المصري الصادر سنة 2014 على اعتبار البيئة أحد الحقوق الأساسية للإنسان فجعل لكل مصري الحق في بيئة صحية سليمة وأن حمايتها واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها واجب وطني، كما ظهرت التشريعات واللوائح الوطنية التى جعلت اهتمامها منصبًا على حماية الإنسان وحقه في بيئة نظيفة ولا سيما أن زيادة الانبعاثات المسببة لظاهرة تغير المناخ الذي يطرأ على البيئة الطبيعية أو الحيوية بما لها من آثار ضارة قد تهدد حياة البشر، ومن ثم فإن تغير المناخ قد يؤثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على التمتع الفعلي بحقوق الإنسان.

وقد اتخذت مصر من الناحية التشريعية في سبيل حماية حقوق الإنسان بشأن تغير المناخ تدابير إيجابية للتخفيف من آثار تغير المناخ ومنع آثاره الضارة والتكيف معها إحدى وسيلتين:

الأولي: محاولة إصدار تشريعات جنائية خاصة متعددة لحماية البيئة وعناصرها المختلفة من أفعال الاعتداء عليها أو للاحتفاظ بها سليمة وتنظيم أوجه استخدامها بحسب عناصر البيئة وتغير المناخ.

الثانية: إصدار قانون جنائي خاص واحد بشأن البيئة يشمل هذه القيمة بالحماية بصفة عامة وعناصرها بصفة خاصة، والتمتع لقوانين حماية البيئة في مصر قبل صدور قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 المعدل بالقانونين رقمي 9 لسنة 2009 و 105 لسنة 2015 يجد أنها لم ترد في نصوص موحدة، وإنما وردت في نصوص متناثرة، فبعض منها ورد النص عليه في قانون العقوبات، ولآخر في تشريعات جنائية خاصة أو في الاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها مصر في مجال حماية البيئة، ومن ثم اتجه التفكير إلى إصدار تشريع متكامل لحماية البيئة يضم شتات ما ورد في التشريعات المتفرقة والمتعلقة به، مسترشداً في ذلك بأحدث الاتجاهات التشريعية الحديثة لدى بعض الدول التي تتمتع بالخبرة في مجال التشريعات الخاصة بالبيئة والتي تحيط بكل عناصرها وتكفل أفضل وأيسر سبل الحفاظ عليها وتنميتها وحمايتها فصدر القانون رقم 4 لسنة 1994 في شأن حماية البيئة المعدل بالقانونين رقمي 9 لسنة 2009 و 105 لسنة 2015 متضمنًا مائة وأربع مواد يخص منها لحماية البيئة الأرضية (المواد من 19 إلى 33) ولحماية البيئة الهوائية ( المواد من 34 إلى 47 مكررا (1) ولحماية البيئة ( المواد من 48 إلى 83 مكررا) بالإضافة إلى باب العقوبات (المواد من 84 إلى 101) والذي تناول فيها عقوبات مختلفة لكل من يرتكب فعلًا مؤثًما في حق البيئة حتى يضمن الحفاظ عليها وحمايتها مما وصلت إليه من تدهور، فضلًا عن خمس وستين مادة تشتمل عليها اللائحة التنفيذية لهذا القانون وثلاثة عشر ملحقًا تتضمن المعايير والمواصفات لبعض المواد عند تصريفها في البيئة البحرية، والمنشآت التي تخضع للتقييم البيئي وسجل الحالة البيئية، والطيور والحيوانات البرية المحظور صيدها أو قتلها أو إمساكها، والحدود القصوى لملوثات الهواء الخارجي، والحدود المسموح بها لملوثات الهواء في انبعاثات، والحدود المسموح بها لشدة الصوت ومدة التعرض الآمن له، والحدود القصوى والأدنى لكل من درجتي الحرارة والرطوبة ومدة التعرض لها، ووسائل الوقاية منها، والمواد الملوثة غير القابلة غير القابلة للتحلل، والاشتراطات والمواصفات الخاصة بمصانع معالجة المخلفات الصلبة البلدية ومواقع الردم الصحي ووسائل جمع ونقل القمامة، ومعايير واشترطات تداول واستخدام الفحم الحجري أو البترولي، والنموذج الدوري للمنشآت لحصر وجرد الملوثات.

ولذا يعد قانون البيئة خطوة حضارية هامة في سبيل حماية البيئة، ويعضده ويسانده في ذلك العديد من التشريعات المصرية التي تحافظ على موارد الدولة الطبيعية وتجرم الأفعال التي تلوث عناصر البيئة منها قانون النظافة العامة رقم 38 لسنة 1967 المعدل بالقانون رقم 47 لسنة 2014 وقانون حماية نهر النيل والمجاري المائية من التلوث رقم 48 لسنة 1982 المعدل بالقانون رقم 103 لسنة 2015 وقانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 وقانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021 إلا أنه هذه القوانين والتشريعات غير كافية بمفردها لمنع استنزاف الموارد الطبيعية وتوفير الغذاء والمياه والسكن الملائم في ظل الانفجار السكاني بغية تحقيق التنمية المستدامة وضمان حقوق المواطن فيها في الوقت الراهن وكذلك ضمان حقوق الأجيال المستقبلة.

ومن هذا المنطلق، وإيمانا بأن البحث في موضوع حماية حقوق الإنسان بشأن تغير المناخ في القانون المصري بات ضرورة لكل واع بأهمية دوره تجاه مجتمعة كان اختياري لموضوع هذا المقال، والذي أتناول فيه بعض حقوق الإنسان بشأن تغير المناخ في القانون المصري، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

– الحق في الحياة وتغير المناخ.

– الحق في التنمية وتغير المناخ.

– الحق في الصحة وتغير المناخ.

– الحق في الغذاء وتغير المناخ.

– الحق في المياه والصرف الصحي وتغير المناخ.

– الحق في السكن الملائم وتغير المناخ.

أولاً: الحق في الحياة وتغير المناخ:

يعتبر الحق في الحياة أحد الحقوق الطبيعية اللصيقة بشخص الإنسان، وقد حظر الدستور المصري الصادر في سنة 2014 المساس بها، دون حق، وجعل بموجب المادة 59 منه الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وألزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها، ومنها حماية حقهم في الحياة.

كما كفلت العديد من القوانين المصرية حماية حق الإنسان في الحياة ومنها قانون العقوبات، وقانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 وقانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010 وقانون مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين رقم 82 لسنة 2016.

نقلًا عن «الوطن»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى