نور على نور

الخديعة الكبرى

التدبر والتفكر في مقاصد آيات القرآن فرض عين على كل مسلم

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي
Latest posts by المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي (see all)

كانت البعثة النبوية بداية لمرحلة جديدة لإرساء خارطة طريق للإنسانية جمعاء بما أنزله الوحي على رسول الله محمد بن عبد الله من آيات بينات في القرآن الكريم، ومن عبادات وتشريعات وعظات وأخلاقيات تؤسس لفجر جديد يشرق على البشرية، راسمًا لهم عناصر الحياة الكريمة في جو من السلام والإيمان والأمان.

 لكي تسعى المجتمعات الإنسانية لتعمير الأرض واكتشاف كنوزها لتسخير خيراتها لخير الإنسان في كل مكان، مما يحقق قيام المدينة الفاضلة ليعيش الناس فيها متساويين في الحقوق والواجبات في ظل العدل والرحمة والحرية والسلام؛ تتنزل عليهم بركات السماء خيرًا ورزقًا.

كتب التراث صرفت الناس عن التدبر في مقاصد الآيات

 وقد تسلَّط على الخطاب الإلهي الذي أنزله الله على رسوله أقوامٌ ابتعدوا عن كتاب الله الذي يدعوهم للخير والصلاح، وأنشأوا كُتبًا مغايرة للآيات وما تدعو إليه من احترام العقل وتوظيفه في التدبر في مقاصد الآيات لمنفعة الإنسان وصلاحه ودعوة للتطور والبحث في القرآن وما يدعو إليه لاستنباط الحقائق العبادية والالتزام بالتشريعات الإلهية وممارسة الآداب القرآنية قولًا وسلوكًا.

 شوهوا التعليمات الإلهية للناس مما أدى إلى تحريف رسالة الإسلام باستحداث عشرات الآلاف من الروايات حتى طغت الروايات على الآيات وتحقق لأعداء الإسلام استهداف القرآن الكريم وعزله عن أن يكون المرجعية الإلهية للناس؛ حتى جاءت شكوى الرسول عليه السلام لربه تؤكد تلك الحقيقة في قوله سبحانه: «وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا» (الفرقان: 30)

التكليف الإلهي للرسول

حدث ذلك بعد وفاة الرسول عليه السلام منذ أربعة عشر قرنًا إلى اليوم، علمًا بأن الله سبحانه حدد بوضوح لا يقبل الشك والتأويل مهمة الرسول عليه السلام في التكليف الإلهي مخاطبًا سبحانه رسوله الكريم في قوله:

(1) «المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (2)» (الأعراف: 1-2)

(2) «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ» (المائدة: 67)

 ليبلِّغ الناس بآيات الله لتهديهم إلى الطريق المستقيم، وقد أكد سبحانه للرسول بقوله سبحانه: «فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ((44)» (الزخرف: 43 – 44)، يوصي رسوله بالتمسك بالقرآن الكريم ولا يحيد عنه ويذكّر به الناس وهو ذِكر للرسول ولقومه وسوف يُسألون عن اتّباعهم له يوم الحساب.

 وما توضحه الآية الكريمة أن التبليغ للناس لرسالة الإسلام يكون بتلاوة القرآن عليهم وشرح مقاصد الآيات لمنفعة الناس وصلاحهم وتعريفهم بالتشريعات والعظات والاخلاقيات، كما قال سبحانه: «كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» (البقرة: 151)

حقيقة الأحاديث القدسية

فلم ينزِّل الله بعد كتابه المبين والذكر الحكيم أحاديث قدسية أو غير  قدسية مستندة إلى روايات استحدثها أُناس مُغرضون ذوي أهداف خبيثة؛ لإثارة الشك والالتباس والفتنة بين المسلمين لإضعاف الإسلام وجعل المسلمين في صراع دائم للبحث عن حقيقة رسالة الإسلام وهديه بعد أن التبس عليهم الحق والباطل، مما أدى إلى تفرُّق المسلمين وادّعاء كل طائفة أنها هي الوصية على الإسلام وهي الأكثر معرفة بدين الله، فسالت بينهم أودية من الدماء عطلت مسيرة رسالة الإسلام وأعاقت دعوة الرحمة والعدل والحرية والسلام لبناء المجتمعات الإنسانية المسالمة والمستقرة.

 إنما كلَّف رسوله بما جاء في الآيات الكريمة فقط، وبعلم الله الأزلي أن المسلمون سيهجرون القرآن، كما جاء فيما سبق في الآية (30) من سورة الفرقان، وأنه سيحلّ محل القرآن روايات افتُرِيَت على الرسول ومقولات استُحدِثت منسوبة إليه عن الصحابة وسُميّت بالأحاديث؛ ليتم عزل القرآن كمرجعية وحيدة لرسالة الإسلام عن المسلمين وتحل محله الروايات والإسرائيليات في توجيه خاطيء لرسالة الإسلام تستهدف خلق الفتن بين المسلمين وتجعلهم في صراع دائم وقتال مستمر ..

خطاب الكراهية فرق المسلمين

 ينتشر فيما بينهم خطاب الكراهية والريبة ليتفرقوا طوائفًا وشيعًا وأحزابًا، كلٌ له كتابه وإمامه ومنهجه، ولذلك يخاطب الله رسوله بقوله سبحانه في صيغة استنكارية: «تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ» (الجاثية: 6)،

تؤكد هذه الآية عدم اعتراف الله سبحانه بما سُمي بالأحاديث التي نسبوها للرسول ظلمًا وبهتانًا، وهي  تحذير للمسلمين بعدم اتّباع تلك الروايات والإسرائيليات التي سُميت بالأحاديث، لأنها ستتسبب في هجر القرآن واعتبارها المرجع الوحيد لرسالة الإسلام يستمدون منها التشريعات لتنظيم شؤون حياتهم.

 وهنا يختل ميزان العدل ويحدث الشِّقاق والنفاق وتنتشر الفتن، وذلك ما حدث في الماضي منذ أربعة عشر قرنًا وما يحدث اليوم إعادة إنتاج نفس الفِرَق الضالة بأسماء مختلفة من داعش والإخوان والقاعدة والتكفيريون وغيرهم الكثير لأنهم هجروا كتاب الله واتبعوا روايات الشياطين فضلُّوا الطريق المستقيم.

كما أن الله سبحانه يخاطب رسوله أيضًا بأمر يدعو المسلمين للوحدة والالتفاف حول الكتاب المبين والاعتصام به حتى لا يهجروا  كتاب الله وهو  يدعوهم بقوله سبحانه: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» (آل عمران: 103)

تحذير الله سبحانه الناس من التفرق

ثم يحذرهم أيضًا بقوله: «وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ» (الأنفال: 46)

ويصف الذين فرقوا دينهم بقوله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ» (الأنعام: 159)

وقوله في تفرق المسلمين أيضًا: «مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)» (الروم :31-32)، حيث أن الله سبحانه يقول لرسوله إن المسلمين الذين فرقوا دينهم لست منهم.

  كما أن الذين يسعَون في خلق الفُرقة بين المسلمين وصفَهم الله سبحانه مثل المشركين لأنهم لم يتَّبعوا ما أُنزل إليك من تشريعات في القرآن الكريم، بالرغم من دعوة صريحة لهم من الله سبحانه في قوله: «اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ» (الأعراف: 3)

احتكار المفسرين لفهم مقاصد الآيات

 وبالرغم من الحقائق القرآنية التي وردت في بعض الآيات أعلاه؛ إلا أن الناس تم استغفالهم واستدراجهم بالروايات بما سُمي بالأحاديث افتراءً على الله ورسوله الأمين؛ فاتَّجهوا اتجاهًا مغايرًا لما يريده الله لهم من خير  وصلاح وحياة، ينتشر فيها التعاون والمحبة والرحمة والحرية والسلام والعدل بين الناس.

وقد ساهم الفقهاء ومن تمَّت تسميتهم بالعلماء والمفسرون الذين احتكروا فَهم مقاصد القرآن ليصبحوا المرجعيات الوحيدة لرسالة الإسلام حتى يسيطروا على عقول المسلمين ويوجهونهم حيث يريدون.

 وقد وصل بهم تجاوز الفرض الإلهي الذي أمر الناس بالتدبر في آيات قرآنه والتفكُّر في مقاصد تشريعاته لخير الإنسانية جمعاء إلى أنهم أفتَوا بقفل باب الاجتهاد والتوقُّف عن التفكر والتدبر في آيات الله، رافضين أمر الله للناس بقوله سبحانه: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا» (النساء: 82)

 وقوله سبحانه: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» (محمد: 24)

وقوله سبحانه: «أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ» (المؤمنون: 68)

وقوله سبحانه: «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ» (ص: 29)

كيف تم إقفال باب الاجتهاد؟

 فكيف قرر شيوخ الدين (إقفال باب الاجتهاد) في موقف يتناقض مع تشريع الله وآياته وعصيان لأوامر الله وطاعته، وذلك بقولهم  بعدم جواز  استنباط جديد وفهم أمين يوضِّح للناس مقاصد آياته لما يحقق لهم الأمن والرحمة والعدل والحرية والسلام.

 رغم أن الله سبحانه جعل التدبر في آياته والتفكُّر في تشريعاته فرض عين على كل إنسان لديه القدرة على القراءة ومعرفة معاني الكلمات حيث يتحمل وحده مسؤولية فهم النص وإدراك مقاصد الآيات.

المسلمون ضلوا الطريق وراء فقهاء الفتاوى

 لذلك تفرقت بهم السُبل وضلُّوا عن الطريق المستقيم، أربعة عشر قرنًا من الزمان، حينما احتكر  بعض الفقهاء فَهْم النصوص القرآنية وسوَّقوا لمفاهيمهم بمختلف الوسائل الدعائية من ترهيب لمن يخالف فتَاويهم وتفسيراتهم وأحكامهم عن الحلال والحرام من العذاب يوم القيامة وأن مصيرهم جهنم وبئس المصير، فقد حذَّرهم الله سبحانه بقوله: «وَلا تَقولوا لِما تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هـذا حَلالٌ وَهـذا حَرامٌ لِتَفتَروا عَلَى اللَّـهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذينَ يَفتَرونَ عَلَى اللَّـهِ الكَذِبَ لا يُفلِحونَ» (النحل: 116)،

ولمن يؤمن برواياتهم وفتاويهم ويكون تابعًا لهم؛ يسير خلفهم كالأعمى لا يرى غير ما يراه الفقهاء ويعطّل فرض التفكر والتدبر في آيات القرآن الكريم؛ يعدونه بأن سيجزيه الله جنات النعيم، علمًا بأن الرسول عليه السلام قد بلَّغ الناس في حجة الوداع قول الله سبحانه: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» (المائدة: 3)

متى انتهى الخطاب الإلهي؟

وبهذا يكون الإعلان الواضح من الرسول بانتهاء الخطاب الإلهي للناس، فمن أين أتى من يسمونهم بالعلماء والأئمة وناقلي الروايات وغيرهم بروايات مفتراه بعشرات الآلاف مما أُطلق عليها بالأحاديث ظلمًا وبهتانًا بين ضعيف وحسن وقدسي وغير قدسي ومقبول ومقطوع، فمن أنبأهم بذلك؟!

 هل نَزَل عليهم جبريل بكُتب جديدة وأحاديث غير أحاديث الله سبحانه في كتابه الكريم الذي أنزله  على رسوله بالرغم مما تدحضه الآيات التي سبق ذكرها في القرآن الكريم في قوله سبحانه: «اللَّـهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّـهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّـهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ» (الزمر : 23)

 وقوله سبحانه: «اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّـهِ حَدِيثًا» (النساء: 87)

 وقوله سبحانه: «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ» (المرسلات : 50)

ومخاطبته لرسوله الكريم مستنكرًا بقوله سبحانه: «تِلْكَ آيَاتُ اللَّـهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ» (الجاثية: 6)

الآيات تنفى الروايات

 تلك الآيات تنفي الاعتراف بكل ما يُسمى أحاديث بكل أنواعها أحاديث وروايات مرسلة أو ما يُسمى بأحاديث قدسية؛ فكلها محط افترءات وبهتان على رسول الله لأن الرسول مؤتمن على إيصال الرسالة المكلَّف بها إلى الناس ولا يمكن حذف أو إضافة من الرسالة المكلَّف بها من الله تأكيدًا لقوله سبحانه: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48)» (الحاقة: 40-48)،

تحذير الله مُبلغًا الناس الذين يستقبلون آيات الله عن رسوله الأمين بأنه سبحانه قد نبَّه رسوله الكريم بعدم التقوّل على الله وأن ذلك جزاء من يتقوَّل على الله؛ تأكيدًا من الله سبحانه للناس أن ما ينطق به الرسول عليه السلام من آي الذكر الحكيم أن آمنوا به وصدقوه واتبعوه بكل ما يبلّغكم به عن ربه من عبادات وتشريعات وقواعد المعاملات بين الناس، وما يعظكم به من الأخلاقيات ومبادئ وقيم الفضيلة لتسمو به العلاقات الإنسانية.

مهمة الرسول تبليغ الرسالة

 ولذلك خاطب الله رسوله بقوله سبحانه: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» (المائدة: 67)

وهذه الآية تأكيد إضافي للرسول الكريم بأنه مكلَّف فقط بتبليغ الناس بما أُنزل إليه من آيات القرآن الكريم وليس بأي شيء آخر مثل الروايات المغرضة التي ألَّفها الغير  مؤتمنين على رسالة الإسلام ونسبوها للرسول عليه السلام افتراءً وبهتانًا؛ وأطلقوا عليها أحاديث منها القدسية ومنها أحاديث عادية مصنَّفة بعشر ات الأنواع؛ يتيه فيها المسلم في ظلمات لا يكاد يجد سبيلًا للخروج منها بما فعله ناقلي الروايات ومن قام بتسويقها للمسلمين ممن يسمونهم الفقهاء وشيوخ الدين على مدى أربعة عشر قرنًا من الزمان.

والتي أفقدت رسالة الإسلام قِيَمها وأهدافها السامية لما تستهدفه من مصلحة الإنسان ومنفعته في الحياة الدنيا والآخرة، والتي يستشهد بها القرآن في قوله سبحانه: «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشقى ﴿123﴾ وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى ﴿124﴾ قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرتَني أَعمى وَقَد كُنتُ بَصيرًا ﴿125﴾ قالَ كَذلِكَ أَتَتكَ آياتُنا فَنَسيتَها وَكَذلِكَ اليَومَ تُنسى» (طه: 123-126)

تحذير من الله سبحانه

ولقد خاطب الله رسوله ينبئه بما سيتبعه المسلمون في المستقبل بصيغة استنكارية حيث قال سبحانه: «تِلْكَ آيَاتُ اللَّـهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ» (الجاثية: 6)،

يبين الله للناس ويحذرهم من اتّباع ما سُمي بالأحاديث لأن ذلك سيصرفهم عن تلاوة القرآن الكريم وهو رسالة الله للناس ودستورًا لحياتهم ومماتهم؛ يرشدهم إلى طريق الخير والسعادة والأمن والسلام. 

تصويب الخطاب الإسلامي باتباع مقاصد كتاب الله                                                                                                                                                

ومن هنا أصبح موضوع تصويب الخطاب الإسلامي هو العودة لأصل الرسالة التي أنزلها الله على رسوله في الكتاب المبين ليبين للناس طريق الهدى والخير والأمن والرحمة والعدل والسلام، ويضع تشريعًا يمنع به الناس من الاعتداء على بعضهم ويأمرهم بالتعامل بينهم بالحسنى وأن حسابهم يوم القيامة ليس بأنسابهم ولا بقربهم من الرسول، إنما بأعمالهم وفق القاعدة الإلهية؛ «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)» (الزلزلة: 7-8).

وقوله سبحانه: «يَومَ تَأتي كُلُّ نَفسٍ تُجادِلُ عَن نَفسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت وَهُم لا يُظلَمونَ» (النحل: 111)

وقوله سبحانه يصف للناس يوم الحساب جزاء كل نفس بما كسبت في الحياة الدنيا: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّـهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا» (النساء: 173)

 ولذلك تفاديًا لما سيواجهه الإنسان يوم القيامة أثناء الحساب على قاعدة المنهاج الإلهي وهو القرآن الكريم وآياته، والذي سيُحاسب عليه الناس جميعًا دون استثناء ليتحق للإنسان الأمن يوم الحساب كما قال سبحانه: «إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا» (الإسراء: 9)

وقوله سبحانه: «الَّذينَ آمَنوا وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم بِظُلمٍ أُولـئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدونَ» (الأنعام: 82)

التقيد بالآيات القرآنية إلى يوم الحساب

ويجب على المسلمين التقيّد بالآيات القرآنية كضرورة قصوى للإنسان ليأمن يوم الحساب دون النظر إلى الاجتهادات البشرية والروايات المستحدثة وأقوال الفقهاء المرجفة، فالمسلم مأمور باتّباع القرآن وهديه واتّباع مقاصد آياته وأنه في هذه اللحظة الفارقة بين رسالة الإسلام الحقيقية التي أنزلها الله على رسوله منذ أربعة عشر قرنًا ( في كتاب لا يضل ولا ينسى).

وما حدث خلال تلك العصور السابقة من تحريف وتزوير وافتراءات على الله ورسوله؛ نقف اليوم أمام الله معاهدين بأن نرفع عن كتابه ما وقع عليه من ظلم وبهتان وهجر وتشويه لكتابه وأحكامه، أمانة ومسؤولية عظيمة سيُحاسب عليها الإنسان يوم القيامة حتى لا يُتَّهم العارفين باللغة العربية والمتعلمين بما قاله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» (البقرة: 159)،

 أمانة عظيمة يحملها كل من آمن بالله ورسوله واتّبع كتاب الله وعرَف مقاصد آياته وما تدعو إليه الناس من رحمة وعدل وحرية وسلام والمعاملة بالحسنى . 

الخلاصة

التكليف للرسول واضح والرسالة محددة بالتقيد بإبلاغ الناس بآيات القرآن الكريم والالتزام بإيصال الخطاب الإلهي وشرح مقاصده لما ينفع الناس في الدنيا والآخرة ويرشدهم إلى اتّباع منهج القرآن الكريم؛ كما قال سبحانه لرسوله في خطاب التكليف: «قُلْ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ» (النور: 54)

تلك هي مهمّته عليه السلام الذي أداها بكل الأمانة والإخلاص وبلَّغ قومه بآيات الله وشرح لهم مقاصدها لما يحقق منفعتهم وسعادتهم و يحقق الأمن والسلام للمجتمعات الإنسانية. 

فالله سبحانه قد كلَّفه يبلِّغ عباده بخطابه لهم وأن الرسول محمد بن عبد الله لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتقوَّل على الله ما لم يكلفه به في كتابه الكريم تؤكده الآيات السابقة؛ من استحالة أن يضيف الرسول على كلام الله الذي أنزله عليه في قرآن مجيد أي قول من عنده.

أكاذيب منسوبة للرسول

يؤكد ذلك تلك الآيات السابق ذكرها والتي تنسف ما نقله وزوَّره أهل الروايات على الرسول من أكاذيب وتحريف منسوبة للصحابة أسموها أحاديث، وما حشدوا لها من تسويق وانتشار في بقاع الأرض؛ ليقوموا بعملهم الشائن في تشويه رسالة الإسلام الخالدة.

 وما ترتب على الروايات والإسرائيليات من تفرُّق المسلمين وتعدُّد مناهج دين الإسلام وخلْق الطوائف والفِرَق مما أدى إلى التناحر بينهم والصراع وسفك الدماء منذ وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، وآن الأوان أن يتم إقفال الصفحه السوداء في تاريخ الدعوة الإسلامية لتعود من جديد كما بدأت بيضاء ناصعة كما أمرَ الله وكما بلَّغها رسوله للناس في آيات القرآن الكريم. أن يعتمد المسلمون كتاب الله المرجعية الوحيدة لرسالة الإسلام.

جميعنا غير مُدرك لعظمة المهمة وخطورتها ولتوضيح أهميتها؛ فلنعلم جميعًا بأن كل من يفكر في تصويب الخطاب الإسلامي بعدما هجره المسلمون وما تراكم على الخطاب الإلهي من كم هائل من الروايات والأقاويل المفتراه على الرسول؛ حتى خفت نور الرسالة وحوَّلت تلك الإسرائيليات والروايات المسلمين إلى أدوات يسوقهم دُعاة الفُرقة والتطرف إلى صراع دائم يأكل الأخضر واليابس.

فتنة المسلمين بعد وفاة الرسول

 منذ وفاة الرسول إلى اليوم والمسلمون يعيشون في محنة وفتنة وقتال وصراع وكراهية ووحشية وعدم تقبُّل الآخر، والاستعلاء على الغير والله سبحانه يبين لهم بقوله: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (القصص: 83)

كل ذلك سببه عزل القرآن وهجره وطغيان الروايات على الآيات؛ حينما تم تقديس أصحاب الروايات وافتراءاتهم وأوهموا الناس بأنها أقوال الرسول وكيف تم توظيفها للاعتداء على الأوطان طمعًا في السلطة والثروات واحتلال البلدان باسم الإسلام، وما أحدثه المسلمون من قتل وسبي واغتصاب واحتلال باسم الفتوحات الإسلامية لنشر الإسلام.

 أكذوبة انتشرت وقيادات وظفتها لتحقيق مآرب سياسية لا علاقة لها بالإسلام فدعوة الناس للإسلام حددها الله سبحانه فى تكليفه لرسوله الأمين بقوله سبحانه: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (النحل: 125)

هل أمر الله سبحانه بمقاتلة الناس حتى يكونوا مسلمين

ولم يأمر الله رسوله بمقاتلة الناس ليكونوا مسلمين؛ إنما خاطب الله رسوله عليه السلام بقوله: «لَو شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَميعًا أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكونوا مُؤمِنينَ» (يونس : 99)

 وقال سبحانه أيضًا: «وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليَكفُر» (الكهف: 29)

 تلك الأوامر الإلهية للرسول في الدعوة إلى الإسلام، فمن أين أتَوا بدليل يسمح للمسلمين غزو الأوطان واحتلال البلدان وتشريد الأُسر وسبي النساء والسيطرة على أملاك الناس والتمتع بها ظلمًا وعدوانًا؟!

 مرتكبين جريمة أخطر من الاحتلال هي؛ تبرير أعمالهم الإجرامية باسم نَشْر الإسلام، يفترون على الله ورسوله ظلمًا وبهتانًا والله يأمر الناس جميعًا بقوله سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ ) (المائدة: 2)

 حُكم إلهي عام لكل الناس؛ الامتناع عن العدوان بالمُطلق وبكل أشكاله، والتعاون على ما ينفعهم ويُصلِح أحوالهم.

الروايات تتسبب في التدمير وسفك الدماء

 كما تسببت تلك الروايات في أن يتوه المسلمون أربعة عشر قرنًا في سفك الدماء والتدمير والتشريد والحروب فيما بينهم؛ لتهيئة المشهد في العالم العربي لسيطرة القوى الاستعمارية ومرشديهم من الصهاينة الذين استطاعوا أن يزوِّروا تلك الأحاديث بأشكال مختلفة منها الحسن ومنها الضعيف ومنها المقطوع ومنها المتواتر والصحيح والآحاد القدسي، وأسماء عِدة.

 وابتكروا وسائل إغراق العقول في شكليات وقواعد منها؛ الجرح والتعديل وعلم الرجال وصنوف من المصطلحات التي لا تُمت لرسالة الإسلام بِصلة.

شغلوا المسلمين بها ليبعدوهم عن كتاب الله الذي يدعوهم لتوظيف العقل والرحمة والحرية والسلام والعدل وحسن المعاملة والتواد، وتحريم قتل النفس والتعاون وعدم الاعتداء على الناس؛ ليحقق لهم الأمان ويوجههم لما ينفعهم ولا يضرهم، بينما أكثر الروايات سبَّبت الفتن ونشَرَت خطاب الكراهية والصراع.

التفكر والتدبر في مقاصد الآيات

 فما أحوجنا اليوم لنعيد للعقل احترامه بما كرَّمنا الله به تدبرًا وتفكرًا في كتابه لنستنبط منه حقائق الحياة ونتعرف على الكون ونوظَّف نِعَم الله في الأرض لمصلحة الإنسان، ونطوي صفحة سوداء عمرها أربعة عشر قرنًا.

لنعود ونستشعر أننا في حضرة الرسول الأكرم عليه السلام يتلو علينا آيات القرآن الكريم ويبين للناس مقاصده الخيّرة للناس جميعًا؛ ليتحقق لهم العيش الآمن والسلام والاستقرار ويقوموا بعبادة الله وممارسة الأعمال الصالحة وأداء واجباتهم من صلوات وصيام وحج والانفاق في سبيل الله لنشر كتابه عملًا وقولًا؛ لكي تنتشر آياته وتشريعاته وعظاته وأخلاقياته لتضيء في الكون نورًا وسلام ورحمة ووئام بين جميع خَلْق الله.

 تلك مهمة المخلصين من المتقين المتجردين في خدمة رسالة الإسلام لمصلحة الإنسانية جمعاء؛ لتصويب الخطاب الديني فهي مهمة عظيمة وليست جلسات ومداخلات إعلامية وإنما عمل يبتغي من ورائه المفكرون وجه الله واسترجاع ما تم اختطافه من التشريعات الإلهية من خلال التزام بكامل الأجندة القرآنية، واستكمال كل نقص وإزالة كل ما طرأ على الرسالة من تشويه مقاصد الخير للناس.

تحرير العقول من استعباد البشر

وتحديد موضوعات الرسالة كما أراد الله لها لتنقذ الإنسان من عبودية العقل لعباده من الأحياء والأموات (مع تعدد المسميات من الصحابة أو أولياء أو أهل البيت)، وكلهم لا ينفعون أنفسهم أو غيرهم ولا يضرون تأكيدًا لقوله سبحانه: «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ» (العنكبوت: 41)

بالرغم أن الله سبحانه أمر الناس بأمرٍ واضح في قوله سبحانه: «اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ» (الأعراف: 3)

وأن تصويب الخطاب الإسلامي يجب أن يكون بإرادة صادقة ونية مخلصة يبتغي أصحابها من ورائها رضى الله ورحمته؛ من أجل تصحيح مسار  رسالة الإسلام لخير البشرية ورفع ما وقع عليها من محاولات شريرة لخداع المسلمين ودفعهم لاتّباع الطُرق الخاطئة التي قد تؤدي بهم إلى ما لا يتمنون عند الحساب ليجدوا أنفسهم في مأزق حين يسألهم الله سبحانه: هل اتبعتم ما أُنزل إليكم وأطعتم الرسول فيكون جوابهم في قوله: «وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا» (الأحزاب: 67)

أخلاقيات القرآن

 فطاعة الرسول فيما أنزله الله عليه من آيات القرآن الكريم هداية للناس من رحمة وعدلً وحرية وسلام وإحسان وتعاون على البر والتقوى والتعامل الراقي مع كل البشر ؛ وِفق أخلاقيات القرآن وتشريعاته وعظاته؛ لتعيش المجتمعات الإنسانية في كل مكان في عيش كريم وأمن واستقرار بلا حروب ولا قتال ولا خوف ولا فزع  ولا ظلم؛ بل اطمئنان وسكينة.

 والكل يسعى في مناكبه ويأكل من رزقه، ترفرف عليهم بركات الله وتتنزَّل عليهم نعمه ورحماته.

 لقد ارتكب المفسرون وأصحاب الروايات وناقليها وشيوخ الضلال أكبر جريمة في تاريخ الإنسانية؛ عندما عملوا على عزل القرآن من حياة الناس على مدى أربعة عشر قرنًا وجعلوهم يتوهون بين روايات مكذوبة وإسرائيليات موضوعة وأساطير مزوَّرة، افترَوها على رسول الله ونسبوها إليه وهم يعلمون حق العلم بأن التكليف الإلهي للرسول مُحدد والمهمة واضحة في قوله سبحانه: «المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (2)» (الأعراف: 1-2)

الله يأمر الناس بعدم اتباع غير كتابه

ثم تتبعها آية آمرة للناس بأن لا يتَّبعوا غير كتاب الله سبحانه في قوله: «اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ» (الأعراف: 3)

 ألم يتدبروا آياته؟! ألم يخافوا عذابه في الدنيا والآخرة؟!

 عندما ارتكبوا تلك الجريمة والتي أضلُّوا المسلمين باتّباعها ويؤمنون بتلك الروايات كأمر مسلَّم به، وصدَّقوا أن الرسول هو الذي تحدَّث بها و لم يخوله الله بالتحدث نيابة عن الخطاب الإلهي _القرآن الكريم_ إلا بما تلقَّاه من الوحي ليبلِّغ الناس بآيات قرآنه.

 وحين يقف الناس المخدوعون أمام الله يوم القيامة حيث يقول سبحانه: «يَومَ نَدعو كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِم فَمَن أوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَأُولـئِكَ يَقرَءونَ كِتابَهُم وَلا يُظلَمونَ فَتيلًا (71) وَمَن كانَ في هـذِهِ أَعمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعمى وَأَضَلُّ سَبيلًا (72)» (الإسراء: 71-72)

ندم الإنسان على ترك التفكر في مقاصد القرآن

  ويستمر المشهد المأساوي حيث يبحث الإنسان عن عذر فلا يجد غير الندم في قوله: «يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا» (الفرقان: 28)، يوم يعض الظالم على يديه يقول: «يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً» (الفرقان: 27)

وقوله سبحانه: «لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)» (الفرقان: 29-30).

إنه مشهد تقشعر منه الأبدان ويتمنى أن يفر منه الإنسان وقد حذَّر الله سبحانه عباده من ذلك المشهد في قوله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ) (البقرة: 48)

إنذار للناس من الله تعالى بهجر القرآن 

 نبأ عظيم؛ بلَّغنا به الله سبحانه قبل أربعة عشر قرنًا بأن المسلمين سوف يهجرون القرآن، إنذار استبق محاولات المجرمين في طمس رسالة القرآن لتحل محله الروايات دون أن يتنبَّه المسلمون لهذا الإنذار بعد وفاة الرسول، ويعملون على حماية كتاب الله من الشياطين الذين لا يريدون لنور الله أن ينتشر في الأرض، يضيء للناس طريق الخير والصلاح والعدل والسلام.

 وجاء تحذير الله لأولئك المجرمين في قوله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» (البقرة: 159)

  فقد كتموا ما أنزل الله من البينات واستبدلوه بروايات وأساطير وحكايات تستخف بالعقول وتنشر اللا معقول؛ ليتوه الناس وينشغلوا عن القرآن من أجل أن تُستباح دول العربان ويسيطر العدو على ثرواتهم ويتم استعبادهم؛ فلا تقوم لهم قائمة ويتحقق حلم اليهود ويسيطر أبناء صهيون، يستبيحون أوطاننا ويستعبدون شعوبنا وينهبون ثرواتنا لتحقيق أحلامهم في دولة من النيل إلى الفرات.

كيف يتم تصويب الخطاب الإسلامي؟

لذلك لا بد من وقفة شجاعة نطوي فيها كل ما جاءت به الروايات منذ وفاة الرسول عليه السلام ونتبع ما أمره الله أن يبلِّغ الناس به في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ» (المائدة: 67)

ويبين له سبحانه في مهمته أن يبلِّغ القرآن وآياته ويعلمهم الحكمة وتشريعاته ويعرفهم أخلاقياته، يخاطبه ربه بقوله: «فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)» (الزخرف: 43 – 44)

 ينبه الله سبحانه رسوله بالتمسك بالقرآن الكريم وأنه ذِكرٌ له ولقومه وأن الله سيسألهم عن اتّباعه يوم القيامة.

لقد ارتكب ناقلي الروايات وبعض الفقهاء جريمة الظلم الذي وقع على كتاب الله المبين من تحريف وتزوير  وافتراءات على آياته ورسالته وما تدعو إليه من رحمة وعدل وحرية الاعتقاد وضرورة تمسك الناس بآداب القرآن وتشريعاته وأخلاقياته.

الروايات والإسرائيليات مرجعيات القتل والتدمير

 لقد أصبحت تلك الروايات والإسرائيليات مرجعيات القتل والتدمير والكراهية لكل فِرَق الإرهاب منذ عهد القرامطة إلى عهد داعش والإخوان والقاعدة؛ استمدوا عقيدتهم ومنهجهم الإجرامي مما تناقلته الألسن من تحريف رسالة الإسلام ومن التزوير على الله ورسوله، فرَّقت المسلمين إلى طوائف ومذاهب وفِرَق متناحرة فأنسَتهم آيات الله وضلُّوا الطريق وهُم في ظلماتٍ إلى أن يرجعوا لكتاب الله؛ يهديهم الطريق المستقيم.

وينطبق عليهم وصف الآيات التالية في قوله سبحانه وتعالى لرسوله: «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ (81)» (النمل: 79-81) 

وقوله سبحانه: «وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ (85)» (النمل: 83-85).

1 2الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى