أركان الإسلام

الخطاب الإلهي يتنبأ بهجر القرآن «3»

الَقرآن يأمرنا بالإعتصام والوحدة.. ويجمعَنا على العدلِ والمحبةِ والسلامِ والرحمةِ للبشرية

إستعرضنا في المقالين السابقين، كيف تنبأ الخطاب الإلهي مُمَثلًا في آيات القرآن الكريم، بهجر كِتاب الله بعد وفاة الرسول الكريم، (صلى الله عليه سلم).

وهو ما حدَث بالفعل عندما إجتمع المسلمون في (سقيفة بني ساعدة ) يتنافسون عمَّن أولى بقيادة أمور الدولة الإسلامية.

وفي السطور التالية نستكمِل ما بدأناه، حولَ الآيات الدالة على تنبوء الخِطاب الإلهي بهَجْر القرآن الكريم بعد وفاة رسول الله.

يقول الله تعالى بشأن صلاحياتِ الرسولِ (صلى اللهُ عليه وسلَم): ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾  (الأنعام: 104).

وقَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّا أنزَلْنَا عَلَيَكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاۖ وَمَا أنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾  (الزمر: 41).

إنّ الأحكام الإلهية واضحةٌ جليةُ حدّد فيها المولى عَزّ وجلَّ مسئوليةَ الأنبياءِ ومسئوليةَ خلقِهِ منْ خلال إستقبال الرسالة، وتبليغ الأنبياء للناسِ بأنّ لهمْ الحقُّ في إختيارِ الدينِ الَّذِي يريدونَ بمنتهى الحُرية، وأن حسابهَم عند اللهِ جميعًا.

ويقول جل في علاه: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)   (البقرة: 281).

كَما قالَ تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾   (المدثر: 38).

إنَّ الخالقَ جلَّ وعلا لم يمنحْ أيَّ نبـّيٍ أو رسولٍ الحقَّ في أن يشاركَه في التشَّريعِ لخلقهِ ومحاسبةِ عبادِهِ على إختياراتِهم الدينيّة، فأحتفظَ بحقِ التشريعِ والِحسابِ لهُ وحده.

وكلّفَ الأنبياءَ والرسلَ بالتبليغِ والشرحِ والتوضيحِ لمرادِ اللهِ في كلِّ آيةٍ من كتابهِ الكريم.

ومن هنا نَرى في هذا العصر صورةً واضحةً للفُرقةِ بيـنَ الـمسلمينَ عندما حذّر سُبحانَهُ بعدَم التفّرق، وعدم هَجْر الَقرآن بل بالإعتصام به لِيَحْمِينَا من شرورِ أنفسنا ويجمعَنا على كلمةٍ واحدةٍ لبناءِ مجتمعِ العدلِ والمحبةِ والسلامِ والرحمةِ للبشرية.

ويؤكدُ اللهُ سُبحانَهُ وتَعَالى على التمسُكِ بالقرآن الكريم وليس بغيره، لتستقيم حياةُ الناسِ والإعتصام بما أنزله اللهُ على رسولهِ في كتابهِ الكريمِ تنفيذًا لقولِهِ سُبحانَهُ: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾   (الزَخَرف 43).

ويؤكّد السياقُ القرآني قَولَه تَعَالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْألُونَ﴾   (الزخرف 44).

إنَّ مظاهرَ هجرِ القرآنِ الكريمِ كثيرةٌ وما حذّرنا منه سُبحانَهُ وتَعَالى منذُ أكثرَ من أربعةَ عَشَر قرنًا تبدو جليةً للعيانِ بأنّ المسلمينَ لم يتمسكوا بالقرآنِ ويلتزموا بالمنهج الإلهي.

مِمّا أدّى إلى هبوطِ المستوىَ الإيمانيّ والأخلاقي والثقافي والأدبي وصارَ الناسُ لا يتدبرون في معاني القرآنِ الكريمِ ولا مقاصِدَه!

ولا يؤدون فريضة التفكر في آياته ولا يتخذون من آيات الله ميزاناً على الروايات لإكتشاف الحق من الباطل.

وقد تحدى الله سبحانه أهل الروايات بقوله: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)   (التوبة 32).

لقد ترتب على ذلك خلط وإلتباس كبير عند الناس بين مُراد الله في الآيات وبين الأهداف الخبيثة في الروايات..

تسبب ذلك الأمر أنْ فَقَدت العقولُ بُوَصلَتَها وتجمَّدَ التفكيرُ لديها فلم يعدْ قادرًا على فَهم تشريعاتِ اللهِ ومقاصدِها، ليؤسّسوا عليها تشريعاتٍ وقوانينَ تُنظّم العلاقاتِ الإنسانيةَ فيما بينَهم على أساسٍ من الرحمةِ والعدلِ المساواةِ والسلامِ.

 

المصدر:

«المسلمون.. بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي»، والصادر عن مؤسسة رسالة السلام للأبحاث والنشر، للباحث والمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى