أخطاء شائعة

الدين الإبراهيمي الجديد

فكرة الهدف منها هو المزيد من التأجيج للصراعات الدينية ودفع عجلة التعصب الديني

Latest posts by د.محمود خليل (see all)

دعني أحدثك الآن عن الفكرة الأم التي تدور حولها جهود إشعال التعصب الديني بين البشر حاليًا، وإن بدت أهدافها المعلنة غير ذلك، إذ يردد أصحابها أن هدفهم معالجة هذه الظاهرة البشرية السلبية، وهي فكرة «الدين الإبراهيمي الجديد».

لا أريد أن أضيف إلى معلوماتك ما تعرفه بالضرورة عن ارتباط فكرة «الدين الإبراهيمي» بمنطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة، حيث يوجد فيها الديانات الإبراهيمية الثلاث (اليهودية – المسيحية – الإسلام)، وقد لا أضيف إليك جديدًا أيضًا إذا قلت لك إن الأديان الثلاثة تجتمع على فكرة الإيمان بالله والأنبياء والكتب السماوية والقيامة والحساب، لكن يمتلك أبناء كل دين تصورًا خاصًا ويقينيًا عن كل عنصر من عناصر الإيمان تلك، هذا الإيمان اليقيني (أو المغلق أحيانًا) لم يمنع الكثير من أصحاب كل دين من هذه الديانات من احترام عقيدة الآخر والتسامح ومد جسور التعاون معه.

سمعنا طيلة العقد الأول من القرن الحادي والعشرين عن دعوات للحوار بين الأديان الثلاثة، وظهرت العديد من الجهود التي تدعم هذه الفكرة الإيجابية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وشاركت العديد من الجهات والمؤسسات الدينية المعتبرة في هذا الحوار، لكننا لم نسمع من قبل عن فكرة الدمج بين الأديان، بل إن البعض تحفظ منذ مرحلة مبكرة على عبارة «التقارب بين الأديان الإبراهيمية» حين استخدمت كبديل لـ«الحوار بين الأديان» على أساس أن التصور العقائدي لأصحاب كل دين يختلف تمامًا عن الآخر.. فما هو التقارب الذي يمكن أن نتوقعه في مثل هذه الوضعية؟

فكرة الدمج أو توحيد الأديان الإبراهيمية الثلاثة في ديانة واحدة فكرة ساذجة وعبثية، ومؤكد أن من يقفون وراءها واثقون أكثر من غيرهم أن مآلها الفشل والانطفاء.. ستسأل ولماذا يطرحونها إذن؟

أقول لك: الهدف ببساطة هو المزيد من التأجيج للصراعات الدينية ودفع عجلة التعصب الديني لتعمل بكامل طاقتها. فالجهود الاستفزازية الجزئية التي تنطلق هنا وهناك لم تُحدث الأثر المطلوب في نفوس الشعوب.

فالأفراد العاديون في كل الديانات لا يعرفون التعصب، بل متسامحون بالفطرة، وكل ما يرجونه في دنياهم هو العيش الكريم ليس أكثر، بعضهم يُستفز من الأفكار التي يسمعها هنا أو هناك، لكنه في النهاية يربطها بأصحابها، لأنه يؤمن بالفطرة أن للدين ربًا يحميه.

فى هذا السياق جاء الدفع بفكرة «الدين الإبراهيمي» في محاولة لإشعال فتيل التعصب لدى المتدينين بالديانات الثلاث، ودفع كل منهم إلى الإحساس بأن هناك من يريد أن يبتكر لهم دينًا جديدًا ينسف دين الآباء والأجداد، وهي محاولة قديمة متجددة، فمن قبل ظهرت البهائية ودعت إلى إيجاد رؤية موحدة ما بين البشر من معتنقي الأديان ذات المصدر الإلهي الواحد.

طرح حدوتة «الدين الإبراهيمي الجديد» يعيدنا إلى وصف وزير الثقافة الفرنسي الأسبق أندريه مارلو للقرن الحادي والعشرين بأنه قرن الأديان بامتياز، وأنه مرشح لاحتضان العديد من الصراعات الدينية المريرة، وهي تعكس ما نعرفه جميعًا من ميل من جانب الغرب إلى التخطيط المبكر لإنفاذ مطامعه في منطقة الشرق الأوسط، عبر استنزاف أمواله في شراء السلاح، تلك التجارة التي تروج أكثر ما تروج في الصراعات الدينية أو المذهبية أو الطائفية، ولا يوجد شيء يمكن أن يشعلها أكثر من الشعور بأن «الدين مهدَّد».

نقلًا عن «الوطن»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى