تأملات في كتاب

الدين والإعلام في سوسيولوجيا التحولات الدينية «1»

التأمل في التجارب السوسيوتاريخية للمجتمعات العربية

يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة، بعد موجة الحداثة وما أفرزته من تداعيات في شتى المجالات وعلى رأسها المجال الديني.

في كتاب «الدين والإعلام في سوسيولوجيا التحولات الدينية» يقول مؤلف الكتاب الباحث المغربي رشيد جرموني: نظرًا لما حصل من تطورات نوعية في العلاقة بين الدين والمجتمع سيتم في هذا البحث التأمل في التجارب السوسيو تاريخية التي مرت بها علاقة الدين بالمجتمعات العربية.

فالدين رغم أنه بقى محافظًا على مكانته في البنيات الثقافية للمجتمع فان طريقة تمثله وممارسته ومعايشته تقلبت عبر مسارات معقدة ومركبة جدًا في الآن نفسه أو ما يمكن أن نطلق عليه «إعادة تعريف الدين في العالم المعاصر».

الدين والإعلام وتحولات المشهد التاريخي

يناقش المؤلف بعض مظاهر التحول الديني في العالم في إطار نظري من خلال عرض للتنبؤات التي وضعها السوسيولوجيون الأوائل  مثل (دانيال هيفري ليجي) و(بيتر بيرغر) و(لوكمان) الذي عرض فكرة كتابه «الدين غير المرئي».

ثم تطرق المؤلف في كتابه إلى الانتقادات التي وجهت لنظرية العلمنة من جانب العلماء الغربيين وكذلك الباحثين العرب المسلمين، كالمسيري وغيره من الباحثين.

انطلاقًا من هذه المقدمة يشرح المؤلف بعضًا من تحولات المشهد الديني وخصوصًا دور الإعلام الديني فيه.

وذلك خلال تتبع تاريخي بدءًا من مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، إلى مرحلة بداية الألفية الثالثة. حيث تلك التطورات التي أوردها مثل:

نزعة القداسة عن المؤسسات الدينية سواء الرسمية أو غيرها، ولعل من بين مؤشرات هذا التوجه بروز حركة «فردانية» عقلية الاستبداد؛ فيمكن القول أن هذه المرحلة تميزت بحدوث نوع من التجاوز لتيار حركات الإسلام السياسي أو «الإسلاموية» إلى موجة ما بعد الإسلاموية بوصفها مؤسسات دينية غير رسمية.

لكن التحولات التي جرت بينت مستويات جديدة من التدين التي تدل على «مشروع» ومحاولة واعية لإعادة صياغة المبررات العقلية لإدخال الإسلاموية في المجالات الاجتماعية والسياسية والفكرية.

موجة الإسلام السياسي ربطت بين الدين والحقوق وليس الواجبات وذلك تبرير لموجات الاحتجاجات الأخيرة.

ويوضح المؤلف أن هذه الفكرة تفهم بشكل أوضح في التقابل الذي حصل بين نمطين من التدين: الأول مهادن والثاني نقدي احتجاجي، الأول يسعى إلى ترسيخ الطاعة لولي الأمر لكن تيار ما بعد الإسلاموية يقدم نفسه كمعارض في اتجاه إقرار تعددية في الآراء والمواقف والرؤى والتصورات.

أنماط جديدة من التدين

وأشار المؤلف إلى ظهور أنماط جديدة من التدين (التدين الفردي نموذجًا) وجاء نتيجة طبيعية للتحولات الكبرى التي عرفها الحقل الديني، وهو ما يعني أن الفرد المسلم وخصوصًا الشاب يصبح مرجعًا لنفسه في الاستمداد والتلقي والممارسة والتوجيه والسلوك والتمثل، حيث يسقط كل المرجعيات والسلطة الدينية. سواء كانت تقليدية مثل المساجد والأسرة والزاوية، أو حركات الإسلام السياسي.

وحدث تحول في المشهد الديني حيث جعل الشباب من الجيل الجديد أكثر انفتاحًا في منطلقاته ومفاهيمه حيث أصبح يوظف مفاهيم عالمية بنفحة إسلامية كمفهوم «الجهاد الالكتروني» و«النسوية الاسلامية» و«الاسلام الديمقراطي» و«المسلم المعاصر»…

ويستنتج المؤلف من عرضه لتغير الواقع الديني أن الدين أصبح «سلعة» توظف في سوق الاقتصاد عبر مقاولات تنتج خطابًا اقتصاديًا بلغة دينية، للتمكين لسلعها من الرواج والذيوع في عالم أصبح يلهث وراء ما يلبي رغبته العارمة في تحقيق طهارة دينية وإن كان يمارسها في سياق اقتصادي محض.

ولعل ما تتحدث عنه الأرقام المهولة من إقبال على العمرة أو على منتوجات دينية سواء مادية أو رمزية في السنوات الأخيرة ليزكي ما يدعيه الباحث من توجهات جديدة.

ويؤكد أن هذه الموجة الجديدة التي برزت بشكل قوي مع الإعلام الديني شكلت فرصة لبروز اتجاهات راديكالية تميل نحو التعصب والعنف والإرهاب باسم الدين تارة، وباسم التعبير عن الذات تارة أخرى، وباسم التفوق الديني في العديد من المناسبات.

وذلك لما يغذيه هذا الخطاب عبر الوسيط الإعلامي وما يلقيه في المستهلك من صور ونماذج تحن لماضٍ يوتوبي حالم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق