رؤى

«الذئاب الرمادية» تفرض قيم القومية المتطرفة

تأسست عقيدة تلك المنظمة على أيديولوجيا أن العرق والأمة التركية متفوقة

تحت عنوان «تركيا.. أصول الذئاب الرمادية التي تسرح في الإقليم» كتب د. خالد عكاشة سلسلة مقالاته المنشورة في جريدة «الوطن» المصرية تناول فيها القومية المتطرفة.. 

وجاء في المقال:

المجموعة العسكرية التي نفذت الانقلاب على حكم «عدنان مندريس» في العام 1960، اعتمدت في نجاحها بشكل كبير على النبرة القومية المتطرفة التي نشرها «ألب أرسلان توركيش»، وأمثاله وتابعوه من المؤمنين بهذا الفكر العنصري الذي مثّل القصف التمهيدي الناجح لإزاحة السلطة، التي كانت تحاول أن تؤسس لمشهد دولة طبيعية لها تحالفاتها وشراكاتها الدولية، ولها نمط متوازن مقبول للحكم بالداخل.

لكن سرعان ما استشعرت تلك المجموعة (38 ضابطاً) برئاسة الجنرال «جمال جورسيل»، أن هذا التيار الذي يقبع في القلب منه الضابط توركيش رفيقهم داخل المجموعة يُعد مهدداً كبيراً في حال بدأت الذراع الشبابية المسلحة في التنامي وفرض نفسها على الساحة.

كيف نشأت القومية المتطرفة في منظمة «الذئاب الرمادية»

وهذا ما دفع قيادات الانقلاب إلى إزاحة توركيش إلى خارج تركيا، كما ذكرنا بالمقال السابق، لكن الحريق كانت جذوته قد أُطلقت بالفعل وبدأ التأسيس الحقيقي لمنظمة «الذئاب الرمادية» التي أخذت على عاتقها، منذ هذا التاريخ المبكر من عمر الدولة الحديثة، فرض قيم التعصب والتطرف للقومية التركية بالنار والفوضى والسلاح.

هذه المنظمة تأسست على أسطورة قديمة، ملخصها أن قبائل الأتراك الذين عاشوا في وسط آسيا تعرضوا في إحدى حقبهم الزمنية إلى هجوم عنيف أدى إلى إبادتهم جميعاً، إلا طفلاً وحيداً هرب إلى الغابات،

وبفضل «ذئبة» اعتنت به حين وجدته جريحاً، كبر واستطاع أن يحافظ على العرق التركي الذي كان على وشك الاندثار، وأعاد إنتاج سلالته الجديدة في خليط ما بين البشر والذئاب، وللحفاظ على عرقهم الافتراضي اختاروا لمنظمتهم تسمية «الذئاب الرمادية».

وتأسست عقيدة تلك المنظمة على حزمة من الأيديولوجيات التي تؤمن بأن العرق والأمة التركية متفوقة، وأن الهدف المقدس أن تنمو الدولة التركية لتضم (65 مليون) مواطن، حينذاك كان عدد الأتراك في داخل تركيا لا يتجاوز (35 مليوناً).

ولكي تحقق هذه الأهداف يجب على أعضائها أن يكونوا مدربين على استخدام العنف والحرب إذا استلزم الأمر، باعتبارها مبدأ مقدس يعيد الجنس التركي الذي تفرّق في بلدان عدة، إلى أحضان وطنهم الأم تحت هذه المظلة.

«الذئاب الرمادية» ذراع حزب الحركة القومية المسلح

ظلت منظمة «الذئاب الرمادية» تعمل في الظل وتتقوى كذراع مسلحة لحزب «الحركة القومية» الذي تأسس على يد الضابط التركي توركيش، إلى أن حان وقت انخراطها الفعال في ساحة العمل السياسي التركي، حيث تُعد الأحداث التي جرت فى 1 مايو 1977 وعُرفت بـ«مذبحة ميدان تقسيم» من أكثر الأعمال التي ظلت مسجلة بحق هذه المنظمة،

حين قام أعضاؤها بالهجوم المسلح على المفكرين والنشطاء اليساريين والليبراليين في احتفالهم بعيد العمال، فالوقائع المسجلة حينها أفادت بأن أنصار التيار الاشتراكي تجمّعوا في «ميدان تقسيم» باسطنبول، للاحتفال بعيد العمال، حيث وصل الحضور حينها لما يقارب (500 ألف شخص)،

وبينما فعاليات الاحتفال جارية قام مجهولون بفتح نيران أسلحتهم الرشاشة على الجماهير المحتفلة، ليسقط قتلى تجاوز عددهم 50 ضحية، وبلغت أعداد المصابين نحو 300 شخص.

ونُسبت هذه المجزرة إلى منظمة «الذئاب الرمادية»، حيث كشفت التحقيقات حينها أن التيار القومي، في ظل صراعاته مع الأحزاب اليسارية، قام بدفع عناصره المسلحة للدخول والتمركز بأعلى البنايات المطلة على الميدان، والانتظار لحين اكتمال الحضور الحاشد المتوقع في هذه الذكرى التي تنظم كل عام، ومن ثم فتح النيران بشكل عشوائي، مما تسبب في ذعر هائل أوقع العدد الكبير من الضحايا.

مجازر تركية لمختلفي الانتماءات

لم تكن هذه الحادثة هي الوحيدة، بل صار ذلك نمطاً سقط المجتمع التركي تحت وطأته بصورة متسارعة في تلك السنوات، فالسلطات التركية وثّقت قيام المنظمة بنحو (700 هجوم) ما بين عامي 1975 و1980، خلَّفت آلافاً من الضحايا مختلفي الانتماءات.

فميدان تقسيم الذي شهد هذه المجزرة بحق اليساريين، لحقهم العلويون في العام الذي يليه 1978 بمذبحة «قهرمان مرعش»، وآخرون من الأكراد والأرمن وذوو الجنسيات اليونانية، بل والمنتمون لأحزاب كانت تنافس وتناهض حزب «الحركة القومية».

وامتد الأمر إلى عمليات اغتيال لسياسيين، كما جرى في محاولة اغتيال رئيس حزب الشعب الجمهوري «بولنت أجاويد» في مطار أزمير عام 1977، فضلاً عن الهجوم على جامعات عديدة بعمليات نوعية، مثل واقعة إلقاء قنبلة على طلاب يساريين داخل «جامعة إسطنبول»، ومن ثم توالت الاعتداءات على هذا النمط لكل المختلفين مع تيار التطرف القومي.

وهو ما استدعى هجمات مماثلة كردة فعل بعد تغول التيار القومي، فقد ذهب الطلاب اليساريون على خلفية عدد من الهجمات بحقهم إلى اغتيال نائب حزب «الحركة القومية» عن اسطنبول «رجب هاشاتلي» في منزله، وتبنّت العملية منظمة يسارية تُدعى «ائتلاف الدعاية الماركسية المسلحة»، لتقوم منظمة «الذئاب الرمادية» بالانتقام الفوري بعد أيام بقتل 7 طلاب، وأُعلن حينها أن العملية جاءت كرد على عملية اغتيال هاشاتلي.

ترسيخ تيار القومية المتطرفة داخل النسيج التركي

على هذا الإيقاع من الفوضى الأمنية الواسعة التي سادت خلال تلك الحقبة رسخت منظمة «الذئاب الرمادية» وتيارها القومي المتطرف أقدامهم داخل النسيج التركي، وجاء هذا البطش الذي مارسوه بحق كافة الأطياف المعادية لهم كترجمة لعقيدة التعصب التي تسللت إلى نفوس عدد كبير من شباب تلك المرحلة واستمرت إلى الآن تحت ذريعة إعلاء القيم التركية والدفاع عن المصالح الوطنية من وجهة نظرهم المنحرفة.

والمثير أن هذا الصعود الفوضوي المتطرف مثّل الإرهاصات التي استند عليها الانقلاب العسكري الشهير في العام 1980، الذي تزعمه الجنرال «كنعان إيفرين» تحت زعم حماية المبادئ الأساسية للجمهورية التركية، لتكون أولى خطواته قطع دابر جميع الأحزاب السياسية التقليدية تقريباً،

طال هذا الإغلاق حزب «الحركة القومية» في البداية، قبل أن يلتف على القرار بعد سنوات ويدشن تحالفه مع الإسلاميين تحت مسمى حزبي جديد «العمل القومى»، ليدخل مع «حزب الرفاه» بقيادة نجم الدين أربكان إلى البرلمان في انتخابات 1991، ويمثل منذ ذلك الحين الذراع اليمني لتيار الإسلام السياسي التركي..

وعن هذا الأمر نستكمل الأسبوع القادم بمشيئة الله..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى