أخطاء شائعة

السؤال عن الأمة العربية

وحدة التاريخ واللغة والدين ونسق القيم الاجتماعية السائد ما زالت فاعلة وحية

لا يزال بإمكاننا الحديث عن العرب بوصفهم أمة؛ ذلك أن العوامل المشتركة من وحدة التاريخ واللغة والدين ونسق القيم الاجتماعية السائد ما زالت فاعلة وحية وقادرة على أن تصوغ هوية مشتركة بسجل من الأهداف والاستحقاقات وأنماط التفاعل.

ورغم كل التحولات الدراماتيكية التي شهدتها المنطقة العربية في العقد الأخير؛ فإن قدرًا من الاتساق ما زال قائمًا وفاعلًا؛ وهو أمر يمكن إيجاده في بعض مقولات الخطاب السياسي المتبادل، والمُنتج الفني والإبداعي والتراثي، والعلاقات التفاعلية بين المواطنين العرب في الفضاءين الواقعي والافتراضي.

ومع ذلك، فثمة عوامل تضغط في الاتجاه المقابل، وتُحد من القدرة على الإبقاء على قدر مناسب من الروابط اللازمة لإدامة مفهوم الأمة، فضلًا عن استحقاقاته ومفاعيله الضرورية على الأرض.

من هو عدو الأمة؟

واليوم تبدو «الأمة» أكثر من مرتبكة حين تجتهد لتشخيص «العدو»، وحين يحدث ذلك لأي أمة، فإنها تكون قد وقعت في أزمة.

بتشخيص «العدو» يتبلور الهدف الأعلى، ومن ثم تتضح الآليات، التي من دونها لن تكون هناك رؤية للأمة، ولا سجل معلنًا للمهام.. أمة بلا رؤية، وبلا مهمة، وبلا موقف متسق من العالم.. ذلك أقسى ما يخافه محب، وأفضل ما يأمله كاره.

إذا قرأت صحف الأمة، وطالعت شاشاتها، أو فحصت مناهج التربية الوطنية والقومية المقرّرة على صغارها، يجب أن تجد تشخيصًا واضحًا لما تراه ضد مصلحتها، وما تعتبره واجبًا لا تستقيم الحياة من دون إنجازه، وحين يغيب ذلك، تصبح الأمة بلا هدف.

اختلطت التشخيصات بين الإرهاب، والتطرف، وإسرائيل، وإيران، والولايات المتحدة، والغرب، والجهل، والفقر، والمرض، وعوضًا عن ذلك، راحت هويات عدائية تُستحدث، وبعضها للأسف مختلق.

لا يوجد نظام إقليمي عربي.. تلك عبارة حادة وحاسمة، وبقدر ما يمكن أن تتلقى نقدًا، فإن شواهد كثيرة ستُفضي إلى تأكيدها.

الاختلافات وعدم وجود منظومة

لا نتحدّث عن اختلافات وتباينات بين دول رئيسية وثانوية، ولا نستعرض عدم الاتفاق على السياسات التي يجب أن يتبعها الإقليم إزاء تطورات حاسمة تتدافع بلا هوادة يومًا بعد يوم، لكننا نشير إلى أن الدول العربية لا تنتظم في منظومة يمكنها أن تفكر وأن تقرّر.

لم يمر يوم على العالم العربي منذ إعلان الدولة الوطنية نعم فيه العرب بنظام إقليمي متماسك وقادر على قراءة الأحداث واتخاذ ما يلزم حيالها، بما يُحقّق الحد الأدنى من المصالح المتفق عليها، وبما يضمن لهذا النظام الاستدامة، وللدول التي يعبر عنها البقاء والازدهار.

لكن في تلك الأثناء لا يوجد لدينا نظام إقليمي عربي في الأساس، ولا تعبر الجامعة العربية سوى عن الحد الأدنى من التوافق بين حلفاء تربطهم مصالح مؤقتة، يظل حجمها وأثرها أقل كثيرًا مما يتفاعل بينهم من تناقضات جوهرية وثانوية. وهنا تضيع الفرصة الضئيلة السانحة في تصليب اتجاه أو اتخاذ قرار.

تفكيك الدولة الوطنية

وبموازاة ذلك، يواجه النظام العربي واحدة من أكثر الأزمات استفحالًا وخطورة؛ إذ يظهر ميل واضح لتفكيك الدولة الوطنية أو تقويض سيادتها من دون بديل بطبيعة الحال. وبعد أحداث العراق، جاءت ليبيا، ثم سوريا، وأخيرًا اليمن، والآن يعاني لبنان ومعه السودان.

لم تعد الدولة العربية الوطنية يقينًا كما كانت على مدى العقود السبعة الفائتة، بل هي في اختبار للقدرة على الوفاء بمتطلبات البقاء.

وفي غيبة النظام الإقليمي العربي، لا يُنتظر من الفاعلين الإقليميين تطوير خطط لاستعادة الدول التي تفكّكت، بقدر ما يُستدعى الأمل في عدم انزلاق دول أخرى إلى الفوضى.

لقد ظهر لنا بوضوح أن بعض تلك البيارق، والأناشيد، والصحف والإذاعات الرسمية، وقصور الرئاسة، وبعثات التمثيل الدبلوماسي، لم تكن أكثر من ادعاءات، لا تسندها وقائع، وحين هبّت العواصف، تهاوت مع أول اختبار.

غياب الرمز واعتبارات اللغة

لم تعد الرموز موضع اتفاق، فنحن نشجّع الفرق العالمية، ونرتدي «البراندات»، ونتعارك في «السوشيال ميديا»، ولا نبقي رمزًا من دون استباحة وتجريح.

لم تعد اللغة محل اعتبار، والأنكى من ذلك أن التوسّل باللغة الأجنبية بات علامة من علامات التحضّر، ومع كل ما ندعيه من مظاهر تديّن شكلي، لم نبقِ لمعنى الدين وقارًا، وبعد تطويع التأويل الديني لمقتضيات المصالح السياسية الضيقة، بات موضوع اقتتال.

ليست تلك هي كل المشكلات التي تواجه مفهوم الأمة وشروط ازدهارها، بل إن الفقر ما زال يلقي بالظلال الكثيفة على المشهد الكلي. الفقر -وليس نقص الموارد- يهيمن على مناطق كثيرة في عالمنا العربي وينحر في إنسانه، والشاهد أن سوء الإدارة وقلة الكفاءة وشيوع الفساد تلعب الدور الأعظم في ذلك.

رغم ما تمتلكه «الأمة» من ثروات، فإن بعض دولها أظهرت خطلًا مزريًا في توظيفها في خدمة الإنسان العربي الفرد.

الثروات العربية المهدرة

نحن نعلم حجم تلك الثروات، ونعلم كيف تم التصرّف فيها، لكننا لا نعرف طريقًا لاستعادة ما تم هدره، أو الاتفاق على طريقة لتوظيفها بما يخرجنا من دوائر العوز.

ورغم ذلك يقتضي الإنصاف القول إن ثمة إشراقات تضىء في هذا الواقع التعس، قوامها بعض الدول العربية التي نجحت في تلبية استحقاقات العصر وحافظت على تماسكها وأمّنت لمواطنيها قدرًا مناسبًا من الحقوق، لكن مع ذلك فإن الكتلة العربية تعاني وينتشر العطب في أرجائها.

ذلك وقت يجدر فيه أن نبحث في مفهوم الأمة ونرصد ما جرى عليه من تغيرات فارقة وصادمة في آن.

نقلًا عن «الوطن»

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى