رؤى

السلام في الإسلام (2)

وحدة الأمة ترعاها الرحمة والود والعطف ويحميها العدل والسلام والجهر بالحق

د. ناهد الخراشي
Latest posts by د. ناهد الخراشي (see all)

إن وحدة الأمة الاسلامية ترعاها في المجتمع الإسلامي فضيلة الرحمة والود والعطف، ويحميها العدل والسلام والجهر بالحق والاتحاد ونبذ الخلاف..

قال تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ»

ونهى عن التفرقة والاختلاف فقال تعالى: «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ» (آل عمران : 105)

فهذه القواعد والمبادئ الأخلاقية أتاحت للمسلمين التعارف والتواصل والاتحاد رغم اختلاف أجناسهم.

فأصبحوا أمة واحدة تتوافر فيها كل صور المساواة، والعدل وانتقت الفروق في الحقوق والواجبات..

وهذا ما أكده التاريخ حيث دخل في الإسلام وفود من مختلف أصناف العرب يجمعهم إحساس واحد وتوافق في الشعور ووحدة في المبدأ والمصير.

وهكذا يتمكن التشريع الإسلامي من غرس قيم الأخوة وقيم الفضائل الخلقية في نفوس المسلمين التي إذا تحلى بها الفرد حل الأمن والسلام الذي دعا إليه الإسلام قرآنًا وسُنة في آيات بينات وأحاديث صحيحة.

ولا شك أن مرتكزات الإسلام لبناء الفرد والجماعة على أساس الأخوة كانت هي اللبنة الأساسية لتحقيق سلام اجتماعي يسود المجتمع ويحقق الأمن لكل فرد.

ولقد ارتكز هدف الإسلام علي تحقيق العدالة في الأرض قاطبة، وإقامة القسط بين البشر عامة، العدالة بكل أنواعها: العدالة الاجتماعية، والعدالة القانونية، والعدالة الدولية.

مما يحقق السلام والأمان في المجتمع وهذا هو قانون السلام في الإسلام.

فمن بغي وظلم وابتعد عن تحقيق العدل فقد خالف كلمة الله وعلى المسلمين أن يقاتلوا لإعلاء كلمة الله حتى وإن اضطر الأمر لمقاتلة المسلمين الباغين للرجوع إلى أمر الله.

القوة مطلوبة لحماية وحدة الأمة

فالعدل المطلق، ورد البغي بالعدوان هو كلمة الله التي يجب أن تعلو في كل مكان وزمان:

قال تعالى: «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (الحجرات : 9).

وإذا كان الإسلام يدعو المسلمين أن يقاتلوا المسلمين لرد البغي وتحقيق القسط، فهو يدعوهم أيضًا إلي دفع الظلم كافة، وإلي دفع الظلم عن أنفسهم وإلى دفعه عن كل مظلوم لا يملك له دفعًا على ألا يعتدوا ولا يبغوا على أحد حتى في رد العدوان.

لذا كان إعداد العدة، وتوفير القوة ضرورة من ضرورات الفكرة الإسلامية لتحقيق السلام.

إن الإسلام هو آخر رسالة السماء إلي الأرض وهو جماع العقيدة التي أرادها الله للبشر، وهو «الدين» الذي جاء بقواعده الأساسية كل رسول: قال تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ …» (آل عمران : 19)

فكل نبي جاء ليأمر الناس بعبادة الله الواحد دون شريك، والإسلام له وحده ثم جاء محمد عليه الصلاة والسلام بهذا الدين «..مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ ..» (المائدة : 48).

فإعداد القوة واجب ليكون في هذه الأرض سلطة عليا ترد الشاردين عن الحق إليه، وتوقف الطغاة عن البغي والعدوان، وتحفظ على الآمنين أمنهم وسلامتهم، وتعز كلمة الله.

وحين تتحقق الحرية والعدالة فلا يبغي بعض الناس علي بعض، ولا يستذل بعضهم رقاب بعض، وحين يتحقق الأمن للضعفاء الذين لا يملكون عن أنفسهم دفاعًا، ويكف الباغي عن بغيه ويجنح إلي السلم..

حينئذ يحرم الإسلام الحرب تحريمًا ويدعو إلى السلم فورًا: «وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ» (الأنفال : 61).

السلم قاعدة.. والحرب ضرورة

إذن يتضح لنا أن فلسفة السلام في الإسلام ترتكز على أن السلم هو القاعدة والمنظومة الرئيسية التي جعلها الله في الوجود.

والحرب ضرورة لتحقيق خير البشرية لا خير أمة، ولا خير جنس أو فرد فقط وإنما ضرورة لتحقيق المُثل الإنسانية العليا التي جعلها الله غاية للحياة الدنيا، ضرورة لتأمين الناس من الضغط، وتأمينهم من الخوف أو الظلم، وتأمينهم من الضر، ضرورة هامة لتحقيق العدل المطلق في الأرض فتصبح إذن كلمة الله هي العليا.

نحن في أشد الحاجة الآن أن نتحد ونتعاون لتحقيق السلام الإلهي المهيمن المؤمن الذي يضمن لهذه الأمة حقها ويحفظ لها كرامتها وحريتها.

إن الأمة المجزأة المفككة التي تسعي إلي تحقيق المكسب الذاتي وتضحي بالصالح العام وحقوق رعاياها لن تصنع سلامًا وأمنًا، بل تصنع حروبًا وفسادًا وهلاكًا، وفي النهاية فناءً محققًا ..

فالأمة الواحدة هي أمة السلام والهيمنة والخير والقداسة والحضارة ولهذا قرن الله سبحانه وتعالى بين هذه الأمة وبين عبادته، كما في قوله تعالي: «إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ» (الأنبياء : 92).

إذن كانت هناك الدعوة لأن نكون أمة واحدة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر، وتتعاون علي البر والتقوي ولن يتحقق الأمن والأمان للفرد ما لم ينعم الجميع بالأمن والأمان والسلام على الأرض، يجب أن يكون مرتبطًا ومتواصلًا مع السلام في السماء، ولن يتحقق السلام إلا بالارتباط والانتماء لدين الله الواحد وتحقيق سُبل السلام في القرآن والسنة.

المصدر:

مقال «د. ناهد الخراشي: فلسفة السلام في الإسلام» المنشور بموقع «طنجة الأدبية»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى