رؤى

السلطة والمعارضة في الدولة الدينية

استجاب المسلمون لحكم الخليفة وكأنه أمر لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

عادل نعمان

تحت عنوان «السلطة والمعارضة في الدولة الدينية» كتب عادل نعمان مقاله المنشور في جريدة «المصري اليوم».. وجاء في المقال:

السلطة في الدولة الدينية في يد الحاكم، خليفة كان أو إمامًا أو أميرًا، هو الجامع لكل السلطات في يديه، الدينية والدنيوية.

بيده أمر العباد والجيوش والأحوال والأموال، ولنا في موقف الخليفتين عمر بن الخطاب وأبي بكر العبرة في هذا الشأن، فرغم اعتراض «عمر» على حروب مانعي الصدقات، إلا أنه انصاع إلى قرار الخليفة ورضخ له.

فهذا أبو بكر يصدر قرارًا يصل إلى درجة التشريع «والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لحاربتهم عليه»، مقام بمقام.

كيف سيطرت السلطة الدينية؟ 

وقد استجاب المسلمون لحكم الخليفة وكأنه أمر لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه حتى يومنا هذا.

وهذا عمر إذا ما أوقف حكمًا وأبطل آخر قطعي الدلالة والثبوت كان له الأمر والنهي، وما عارضه معارض، وكأنه حكم إلهي حتى يومنا هذا.

وهذا «عثمان» يرى في الخلافة لباسًا ألبسه الله، فلما حاصره المعارضون والثائرون وطالبوه بأن يخلعها قال: «ما كنت أخلع لباسًا (أو قميصًا) سربلنيه (أو ألبسنيه) الله» وكأن الخلافة منصوص عليها ومقررة له ولا يجوز الخروج عليه حتى «وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»،

وما تمادى معاوية في غلوائه، وما بويع ابنه «يزيد» إلا كون الخلافة قد استقرت في وجدان الرعية والراعي أنها بيعة لا ينام المسلم ليلة إلا وكانت في رقبته يوم القيامة إن لم يضعها في رقبة خليفة أو إمام، ولا يبيتون ليلة دونها.

فالعباد عباد الله والمال ماله وهم الأوصياء على هؤلاء وهؤلاء، وسار على نهجه كل الخلفاء حتى انهارت الخلافة العثمانية.

مصير المعارضة

ولم نسمع أن مرّ أمر معارض لهؤلاء مرور الكرام إلا وقتل، فهذا سعد بن عبادة قد «قتلته الجن» بالإنابة أو بالوكالة وهو يبول على صخرة في بلاد الشام بعد أن فر هاربًا.

وهذا أبو ذر الغفارى يُنفى في عهد الخليفة عثمان إلى «الربدة» حين عارضه على عطاياه المفرطة لبني أمية من أموال المسلمين، وهي منطقة شرق المدينة، حتى مات وهو يسأل الناس حاجته.

أما قمع المعارضة والتنكيل بها وتعذيبها فقد بدأت فنونها في عهد الخلافة الأموية، وتعاظمت وتنوعت في العهد العباسي.

فعرف أهل العراق حظر التجوال ليلًا وهم شيعة علي وأكثر المناطق معارضة للعهد الأموي، وعانوا من القتل على الريبة، وتقول كتب التاريخ إن «سمرة بن جندب» أمير البصرة ووكيل زياد بن أبيه، والي العراق وعامل معاوية عليها، وسمي بن أبيه لأنه غير معلوم الأب- قد قتل ثمانية آلاف من أهلها على «الشك».

القتل باستخارة وصلاة

وإما حكاية قتل «حجر بن عدي الكندي» بأمر من «معاوية» لو راجعتها في كتب السير، لشعرت وكأن حكم قتله ليس بسبب معارضته، بل جاء لمعاوية على ظهر ملك، وما كانت كل خطوة من خطوات قتله هو وصحابته إلا وكانت باستخارة وصلاة، المهم أن يخرج منها الخليفة كالشعرة من العجين.

وكلما غالى أهل الحكايات في حق معاوية في قتله فاعلم أنه كان على خطأ وليس على صواب، وهو رجل من صحابة «الإمام علي» وقالوا عنه من التابعين، وشهد مع «الإمام علي» موقعة الجمل وموقعة صفين، وهذا هو سبب قتله.

وكل حكاية هذا الرجل أنه قد رمى «زياد بن أبيه» والي العراق بالحصى وهو في المسجد، وكانت التهمة «أنهم حصبوا عامل الخليفة» أي رموه بالحصى فاستحقوا جميعًا القتل.

وعرف العهد الأموي «قطع الألسنة» للمعارضين، وهذا «زياد» نفسه قطع لسان «رشيد الهجري» وقد كناه الإمام علي «رشيد البلايا والمنايا» لسوء عاقبته ومصيره على يد الوالي زياد، فقد قطعوا يديه ورجليه وقطعوا لسانه ثم صلبوه حتى مات «وحكاية مقتله حكاية».

ظلم الحجاج

أما عن «الحجاج» فقل عن ظلمه ما شئت وما في الخمر ولا تخف، فقد تفوق على «زياد بن أبيه» أستاذه ومعلمه، وزاد على قطع ألسنة المعارضين «قطع» رقابهم ثم الصلب،

ويقدر عدد ضحاياه بمئات الألوف، وكان يسجن المعارضين في سجون بلا أسقف أو أعمدة حتى يكون الموت قريبًا منهم،

وتاريخ بني أمية زاخر بقتل المعارضين، ومنهم غيلان الدمشقي والجعد بن درهم، وقصصهم معروفة (أرجوك أن تعود إليها) ونلخص مقتل «غيلان» أنه قد اختلف مع بني أمية حول حرية الإنسان.

وكان نصير الفكرة «الاختيار»، ويحاسب الإنسان على أفعاله، لأن الله قد أعطاه الإرادة الحرة في الاختيار، وهو قول المعتزلة أيضًا.

وقد كان الأمويون يروجون لفكرة «الجبر» فما هو كائن لابد أن يكون، وأن الله قد خلق الأفعال والاختيارات «الإنسان ريشة في مهب الريح فهو مسلوب الإرادة في القدرة والاختيار» وكذلك في موضوع الإمامة.

وكان رأيه هي لمن يصلح لها وليست في قريش كما زعم الأمويون، وفكرة الجبر عند بني أمية سياسية بامتياز، حتى يكونوا قدر الله على العباد وليست اختيارًا أو إرادة.

في مجلس الخليفة هشام بن عبد الملك طلب منه مد يده فقطعها، ورجله فقطعها، وتركه على باب بيته حتى صلبه ومات فيما بعد.

والعجب في كل هذا، هو رأي فقهاء هذا العصر في التنكيل بالمعارضين، وأعطيك مثالًا حول رأيهم، في مقتل غيلان الدمشقي عن رأيه السابق حول الجبر والخلافة..

قال فقهاء عصره «إن قتله أفضل من قتل ألفين من الروم».. يا إلهي إلى هذا الحد كان يستوجب القتل حين عارضهم، وإلى الأسبوع القادم.

اظهر المزيد

عادل نعمان

كاتب مصري، متخصص في تحليل خطاب الإسلام السياسي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى