الأسرة والمجتمع

الشرق الأوسط في مفترق طرق

تحديات تواجه دول المنطقة في التواصل مع الأجيال الجديدة الشابة

تحت عنوان «الشرق الأوسط في مفترق طرق»، كتب ياسر عبدالعزيز، مقاله المنشور في جريدة «الوطن»، تناول فيه التحديات التي تواجهها دول المنطقة من حيث قدرتها على التواصل مع الأجيال الجديدة.

بدأ الكاتب مقاله بتحليل العبارة التي استخدمها في عنوان المقال: لطالما استخدم باحثون ومحللون وقادة عبارة «مفترق طرق» عند محاولة الإشارة إلى مرور الدول والجماعات الوطنية بمنعطفات مفصلية، وكثيراً ما تم استخدام هذه العبارة من دون روية أو استحقاق، أما اليوم، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمر، على الأرجح، عبر مفترق طرق حاسم ومُعقّد.سيمكن إيراد الكثير من الأمثلة التي تسوغ مرور المنطقة بمفترق الطرق الذى نتحدث عنه؛ ومن ذلك ما يتعلق بالتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والخدمية والبيئية العارمة، وهناك أيضاً ما يتصل بحالة عدم الاستقرار الإقليمي، وبوادر الصراعات التي يمكن أن تتحول إلى حرائق في أى لحظة.

التواصل مع الأجيال الجديدة الشابة

وأضاف: لكن مع ذلك سيبرز تحدٍّ من نوع مختلف، وهو ذلك التحدي الذي يتجسّد في قدرة كل دولة من دول المنطقة على التواصل مع أجيال جديدة شابة، تتسم بسمات مختلفة عن الأجيال السابقة، خصوصاً في ما يتعلق بتبنيها نسقاً من الرموز والقيم والأفكار ذات الطابع العالمي، وقدرتها على مطالعة ما يجري ويتفاعل في بيئات أخرى بعيدة، وفهمه، والتأثر به.

وأشار الكاتب إلى إيران، التي يتحدث قطاع واسع من شبابها لغة مختلفة تماماً عما تتحدّث به النخب والمؤسسات الضالعة في الحكم والقرار، وسنجده أيضاً في منطقة الخليج العربي، حيث تُعاد صياغة الكثير من الأفكار وأنماط العيش، وسنجده كذلك في المشرق العربي، ووادى النيل، وشمال أفريقيا.

وأوضح أن الدولة ومؤسساتها تحتاج إلى وسائل فعّالة للتواصل مع مواطنيها، والتأثير فيهم، وإقناعهم، وصولاً إلى الحصول على مطاوعتهم وثقتهم ورضاهم، وهو أمر حيوي وضروري لصيانة المصلحة العامة، ومن دون توافر الدولة على تلك الميزة، تضحى قدرتها على تحقيق الاستقرار والنمو محل شك كبير.

لماذا لا تنجح الدول في التواصل؟

وأكد على أنه لا يمكن للدولة ومؤسساتها أن تنجح في تواصلها مع مواطنيها من دون إدراك لطبيعة القيم والأفكار السائدة بينهم، وعندما تخفق الدولة في قراءة التحولات والتغيرات التي تطرأ على المنظومة القيمية والأفكار السائدة في المجتمع، فإن رسائلها تضل طريقها، وحججها تعجز عن الإقناع.

ولفت الكاتب إلى أنه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيبدو واضحاً أن التغيرات المتسارعة في طرائق التفكير ومنظومة القيم، التي يتبناها قطاع عريض من الشباب الأصغر سناً، لا تجد صدى في اللغة التي تعتمدها الدولة ومؤسساتها في بعض الأحيان، وهو أمر يخلق فجوة في الاتصال أولاً، وفي الثقة والرضا ثانياً، بين قطاعات من الجيل الشاب، وبين البُنى التقليدية والمؤسسات في الدولة والمجتمع.

الشباب يلجأ للسوشيال ميديا

وحذر الكاتب من انخراط الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي بأنه ستكون «السوشيال ميديا» هي المكان الأنسب لإدراك هذه الفجوة، وستكون أيضاً أحد أهم الأسباب فى صُنعها؛ إذ عبرها يمكن اكتشاف هذا الانقطاع الكبير بين الشباب واللغة المؤسساتية، وهو انقطاع ينعكس انصرافاً أو سخرية أو نقداً مريراً.

وأضاف، وعبرها أيضاً سيمكن ملاحظة دورها الكبير فى إطلاع هذا الشباب على مستجدات عالمية، وأفكار أكثر حرية، وصور وأنماط معيشة مغايرة، مما وسّع مداركه، وأبقاه أكثر قدرة على إحداث المقارنة في أنماط الأداء العمومي العالمية والإقليمية من جانب، والوطنية من جانب آخر، وهي مقارنة يمكن أن تعزّز لديه الرضا والاقتناع، أو تدفعه إلى الانسحاب والقنوط والتمرّد.

فعبر التصادم المفضي إلى التغيير تتأثر القيم السائدة في أي مجتمع، وقد تنحو نحو منظومة من التقاليد والنزعات العالمية، التي باتت محل ثقة واهتمام ورواج بين قطاعات من الأجيال الجديدة، وهو الأمر الذي حدث عبر أوروبا كلها سابقاً، ويحدث حولنا بصورة متسارعة في بعض بلدان منطقة الشرق الأوسط.

وأشار إلى أنه عندما يخفق نظام ما في قراءة التطور الحاصل في بيئة القيم والرموز للقطاع الحيوي من مواطنيه، فإنه ينتهج سياسات غير شعبية، ولا تحظى بالتأييد والتفهّم، وبالتالي، فهو يستفز طاقة المعارضة، ويدخل في صدامات، يصعب جداً أن يربح نتائجها.ومع الاعتراف بأن ثمة الكثير من التباين بين قطاعات الشباب الشرق أوسطي على أكثر من قاعدة ووفق أكثر من تصنيف، فإن الاتجاه السائد بين المتعلمين منهم يبدو مخاصماً لكثير مما يجري من ممارسات سياسية واقتصادية واجتماعية فى المنطقة.

وفي توضيح من الكاتب أكد على أنه يسود الاعتقاد بأن ذرائع الاحتجاج أو التمرّد لدى بعض القطاعات الشابة تتصل بصورة مباشرة بالصعوبات والتحديات الاقتصادية، التي تواجهها أي دولة، لكن السبب قد يكمن أيضاً في أن هذه القطاعات الشابة ترى أن ما يجري راهناً في الحياة السياسية والمجال العام في بلادها لا يتسق مع الرموز والقيم والأدبيات العالمية التي اطلعت عليها أو قرأت عنها أو درستها.

وذكر أنه عندما تعجز أي دولة عن إدراك ذلك، فإن الأضرار تقع، وستكون الأضرار الداخلية متناسبة طردياً مع حالة الإدراك والاهتمام بتلك القيم والرموز العالمية.

فإذا كانت قطاعات مؤثرة من الشبان والشابات يعرفون عن الديمقراطية، وتداول السلطة، والمحاسبة، والحوكمة، والإعلام الحر، وحقوق الإنسان، والفصل بين السياسة وسلطة رجال الدين، وسيادة القانون، وطرق إدارة الشئون العامة في المجتمعات الأكثر تقدّماً، فسيكون من الصعب جداً التحدّث إليهم بلغة مغايرة تعود إلى عقود سابقة، أو تعكس مقاربات غير معيارية.

وفي نهاية المقال أكد الكاتب أن منطقة الشرق الأوسط تحتاج إلى لغة جديدة للتواصل مع الأجيال الشابة؛ وهي لغة يجب أن تعكس سياسات على الأرض، وأن تحترم تطلعات الشباب وطموحه إلى حياة أفضل، تتناسب مع ما بات يعرفه ويتمناه من أشكال العيش وأنماط الحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى