رؤى

الطلاق بالشهود أمر حسمه القرآن

الفقه ذكوري النشأة مال ناحية الرجال ميلًا شديدًا

عادل نعمان

ولأن الفقه ذكوري النشأة فقد مال ميلًا شديدًا ناحية الرجال، ولو كان للمرأة شأن في الأمور التي تخصها، لكنا نحن معشر الرجال وقوف في الشوارع وأمام المحاكم نطالب بالمساوة بالنساء..

ومنا من كانت شكواه قلة النفقة، أو قلة الكساء، أو الغلظة والخشونة في المعاملة، بل والمطالبة بحقنا في الكفن والدواء، والذي حرمه بعض الفقهاء على النساء، إذا امتنعت عن إرضاء شهوة الرجل، وقضاء وطره لعجز أو لكبر أو لهِرَم.

ولما يقول ربنا في كتابه: «وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ ..» (الأحقاف: 15)

هو إقرار بما تعانيه الأم من حمل ورضاعة ومشقة هائلة في التربية من اليوم الأول في الحياة الزوجية حتى الممات، فليس لفضل النساء هذا إلا فضلًا أكبر وأعظم، وليس لعناء النساء هذا إلا الحسنى عند الحياة وعند الممات أو عند الهرم أو الطلاق إن كان أمرًا مقضيًا.

الفقه ذكوري النشأة ضنّ على المرأة بحقها

وما يزيد الأمر غرابة أن الفقهاء قد أسرفوا في حق الرجل، وضنّوا على المرأة بما هو حق لها، وهو الطلاق، فكيف للرجل إذا أراد الارتباط بإحداهن، دق الأبواب، وتشاور مع الصغير والكبير، وتفاوض وتجادل وتناقش معها ومع وليها وأقاربها حتى فاز بها، فإذا ما أراد الفراق، تركها بلفظ على باب بيته وربما مطرودة ومهانة.

ثم يقولون هذا حقنا ونصيبنا وشريعتنا التي اختارها الله، وليس الأمر هكذا، ولم يكن من عند الله لكنه من عند البشر، والأصل هو ما جاء من عند الله في الآية: «..فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ ..» (البقرة: 233)

وهو إقرار من الله وبلاغ بأن الطلاق يتم بين الطرفين بالتشاور والتراضي، وهو قرار بين طرفين وليس طرف واحد.

الشهادة وسيلة لإثبات الحقوق

ولنبدأ فكرتنا من أول السطر: دعنا نتفق أولًا: أن شهادة الشهود كانت الوسيلة الوحيدة لإثبات المعاملات، من بيع وشراء وزواج وغيره، والتي استبدلت بالتوثيق حديثًا لأسباب كثيرة.

ثانيًا: إن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، وأن المقصد من وراء الحكم إما لجلب مصلحة أو درء مفسدة، ونأخذ لهذه أمثلة ليست على سبيل الحصر:

الأول: نهى الرسول عن زيارة القبور ثم عاد عنها، وسمح بها حين وجد أن زيارة القبور ترقق القلوب.

والثاني: نهى عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، ثم عاد عنها، حين علم أن الناس تحبسها للغائب حتى يعود ليأكل منها فأباح أكلها بعد اليوم الثالث.

الثالث: كان كثير من الفقهاء قد أفتوا بفسخ عقد النكاح، إذا ترك الزوج المسلم دين الإسلام، ثم تراجع الكثيرون عن هذا لمصلحة الأسرة، أو تخيير الزوجة حسب ظروفها وأحوالها، فكانت المصلحة أساس الحكم.

وعن الطلاق تقول الآية: «فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ..» (الطلاق: 2)

والتفسير: فإذا شارفت المطلقة على نهاية العدة «ثلاثة أشهر» فإما أن يراجعها زوجها ويمسكها، أو يفارقها بالمعروف، ويشهد «ذوى عدل منكم» ومن الفقهاء من أوجب الإشهاد في الرجعة فقط، ومنهم من رأى الإشهاد واجب في الرجعة ومندوبة «ما يطلب فعله دون إلزام» في الطلاق، ومنهم من رأى وجوب الإشهاد في الطلاق والرجعة،

لأن « فأشهدوا» جاءت بعد ذكر الطلاق والرجعة معًا، وكان من باب أولى على الفقهاء الأخذ بما جاء به القرآن دون غيره، فلا اجتهاد مع النص.

الطلاق دون شهود لا يقع

وحتى إذا عدنا إلى مدارس فقهية أخرى سترى أن الطلاق دون شهادة الشهود لا يقع، فهذه الإمامية الجعفرية ترى (شهادة شاهدي عدل من الرجال شرط لوقوع الطلاق، فإن فقد لا يقع) وهذا الشيخ الطوسي (كل طلاق لم يحضره شاهدان عدلان وإن تكاملت سائر الشروط لا يقع) وهذا الشيخ السيوطي (النكاح بالشهود والطلاق بالشهود والمراجعة بالشهود)

ومن المحدثين الشيخ أبو زهرة (لو كان لنا أن نختار المعمول به في مصر لأخذنا بهذا الرأي «يشترط لوقوع الطلاق أو المراجعة حضور شاهدي عدل») ومن المحدثين أيضًا الشيخ الألباني ويستحق الرجل الإسهاب (الطلاق بدون إسناد طلاق بدعي لا يقع) والطلاق البدعي هو طلاق المرأة وهي حائض، واختلف الفقهاء في وقوعه فمن رآه لا يقع، ومن رآه يقع، ويميل الألباني وغيره كثير إلى عدم وقوعه، واعتبر الطلاق دون شهود طلاقًا بدعيًا، وفيما يقوله (النكاح بالنسبة للأسرة كالبناء، والطلاق بالنسبة للأسرة كالهدم، فمن غير المعقول أن نشهد شهودًا على البناء ولا نشهدهم في الهدم).

وشهادة الشهود فيما مضى هي التوثيق لدي المأذون اليوم، وهو أمر تستوجبه الحياة وتداخلاتها، وإن رأت الدولة أن يكون التوثيق بشكل آخر أكثر تعقيدًا وتأمينًا أخذنا به، والتزمنا عنده.

لا بد أن يتم توثيق الطلاق، واعتبار الطلاق الشفوي طلاقًا بدعيًا لا يقع إلا بالتوثيق وشهادة الشهود حفاظًا على الأسرة والمجتمع..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى