رؤى

العربي المأزوم

على هذه الشعوب التي يندب أغلبها حظه أن تسأل نفسها عن موقفها من مسألة التعليم

د.محمود خليل
Latest posts by د.محمود خليل (see all)

تعاني الشعوب العربية من أزمة جوهرها أنها «تحلم بمستقبل لا تملك أدواته»، فهي تحلم بأن تعيش مثل كل شعوب العالم المتقدم التي تنعم باحترام حقوق الفرد، وعلى رأسها حقه في اختيار من يمثله، وحرية الإبداع، ومبدأ تكافؤ الفرص، بالإضافة إلى توافر الخدمات الجيّدة، وإمكانية الحصول على الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

تستوي الشعوب العربية مع غيرها من شعوب العالم في هذا الحلم، وكثيراً ما طالبت بتوفير معطياته، لكنها تختلف عن غيرها من الشعوب التي تمكنت من تحقيق معادلة الرضا عن حياتها، في أنها لا تمتلك -في أغلب الأحوال- الأدوات التي توافرت لغيرها.

على هذه الشعوب التي يندب أغلبها حظه أن تسأل نفسها عن موقفها من مسألة التعليم، وأوضاعها الثقافية وموقفها من الثقافة نفسها، ومساراتها الاقتصادية وما تهواه من مهن فى الحياة، وموقفها من المال كقيمة، وموقفها أيضاً من الكيفية التي يتم تحصيل المال بها.

عليها أيضاً أن تبحث في الأخلاق السائدة لديها وموقفها منها، أيضاً لا بد أن تمتلك الجرأة، لتبحث في أنماط التديّن السائدة بين أفرادها، ورؤاها والمفاهيم المسيطرة على العقل الديني الشعبي، ومدى قُربها أو بُعدها عن المفاهيم القرآنية، ومن الضروري أيضاً أن تتناول بأمانة موقفها من المستقبل الذي تحلم به وقيمته بالنسبة لها، مقارنة بنظرتها إلى التاريخ وأحداثه، وتعلقها بالماضي وذكرياته، ثم عليها بعد ذلك أن تناقش حقيقة موقفها من الغرب ونظرتها إلى الشعوب والمجتمعات التي تعتبرها نموذجاً يتوجّب الاسترشاد به، والحلم بالوصول إلى مستواها المعيشى وبيئة الحياة فيها.

تحديد الموقف من عناصر التعليم والثقافة والاقتصاد والدين والتاريخ والمستقبل والغرب وغير ذلك من عوامل، يُعد الخطوة الأولى في تحقيق الحلم بمستقبل أفضل، وطرح السؤال حول امتلاك الأدوات التي يمكن بلوغ المأمول فيها على مستوى كل عنصر من هذه العناصر يعد مسألة محورية إذا كان العرب يريدون أن يجدوا لأنفسهم موضع قدم على خريطة المستقبل، وبغير ذلك ستواصل الشعوب العربية ندب حظها، ولعن واقعها دون أن تصل إلى شيء.

علينا أن نواجه أنفسنا بالحقيقة على مستوى كل أداة من أدوات «صناعة المستقبل»، وعلينا قبلها أن نسأل: هل نحن شعوب تتحمّل معرفة الحقيقة، أم تهوى العيش في الأكاذيب والشعارات والحنجوريات؟

لقد قالها «فتحي غانم» ذات يوم فى رواية «تلك الأيام» على لسان بطلها الذي دخل فى حوار مع أستاذه الفرنسي المشرف على رسالته لنيل درجة الدكتوراه في «التاريخ»، حين حكى له حلمه في كتابة التاريخ الحقيقي للعرب، فعلق الأستاذ سائلاً: «وهل شعوبكم تتحمّل معرفة الحقيقة؟».

يكفي في هذا السياق أن نشير إلى أنه على مستوى كل من التعليم أو الثقافة وغيرهما من الأدوات التي يمكن أن تسهم في صناعة المستقبل، يجد العربي نفسه دائماً ضحية لغيره، ويصعب عليه تصور أنه أحد الأسباب المباشرة للمحن التي يعانيها على مستوى أي من عناصر الحياة الراضية، التي تبرّر حلمه بمستقبل أفضل.نحن بحاجة إلى وقفة متأنية مع الذات.

نقلًا عن الوطن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى