أخطاء شائعة

العقل الجمعي المصري.. بين الأصولية والحداثة

الوضع الراهن يؤكد أن المنظومة التعليمية في مجملِها تؤصل التضاد مع قيم التقدم

لا شك عندي أن «العقل الجمعي المصري» هو اليوم شديد البُعد عن التفكير العلمي وكذلك عن قيمِ الحداثة الإنسانية مثل «التعددية» و«الغيرية أي قبول الآخر» و«التعايش المشترك» و«التسامح الديني والثقافي» و«حقوق المرأة» و«الإيمان بمدنية الدولة» و»التفكير العلمي».

ولا شك عندي (بنفس القدر) أن «العقلَ الجمعي المصري» و«الدولة المصرية» وإن كانا (في المجمل) في حال صدام وتضاد مع «الأصوليةِ الدينية»، فإن القواسم المشتركة بين الجانبين ليست قليلة.

ورغم إيماني بأن المؤسساتِ الدينية (ديناصورية الحجم والدور والميزانيات) هي خصم كبير جداً للحداثة والتقدم (فلا تقدم حقيقي بدون حداثة)، فإنها ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن إبتعاد العقل الجمعي المصري عن الحداثة وأنساقها القيمية.

فعدم وجود رؤية سياسية محددة وملزمة لتحقيقِ الهدف المنشود وهو تقريب العقل الجمعي المصري من الحداثة و قيمها. هو عامل لا يقل تأثيراً (سلبياً) عن دور وأثر كل أو معظم المؤسسات الدينية التى لا يجب أن تدهشنا رغبتُها في أن تكون «المرجعية العليا» في معظم المجالات.

المنظومة التعليمية تؤثر على العقل الجمعي المصري

وبجانب العاملين الكبيرين المشار إليهما، فهناك عامل ثالث لا يقل تأثيراً (سلبياً) عن العاملين الكبيرين آنف ذكرهما وهو «المنظومة التعليمية» التي لا تفرز مواطنين مؤمنين بالحداثة وقيمِها. فالوضع الراهن يؤكد أن المنظومة التعليمية في مجملِها تؤصل التضاد (بنسبٍ متفاوتة) مع الحداثة وقيمها.

والمتابع لما اكتنف موضوعَ «تجديد الخطاب الديني» يستطيع بسهولةٍ أن يرى قوة ونفوذ الجهات والشخصيات والمؤسسات الرافضة للدعوة لهذا التجديد، وهي القوة التي قضت (حتى هذه اللحظة) على هذه الدعوة.

ولاشك أن «هذا الواقع» هو في صالح الأصوليين وأهمهم في الحالة المصرية الإخوان والتيارات السلفية. لأنه واقع يجعل رفض كثير من المصريين لهؤلاء «سياسياً وليس فكرياً و قيمياً».

وهو أمر شديد الخطورة من المنظورين: السوسيولوجي/الاجتماعي والتاريخي. لأنه يعني أن رفض العقل الجمعي (للمصريين المسلمين) للإسلامِ السياسي ليس رفضاً صلباً.

تأجيل تجديد الخطاب بشكل قسري

وقد يقول البعض، أن معركة مجتمعية آنية بسبب موضوع تجديد الخطاب الديني قد تكون أضرارها أكبر و أكثر من مغانمِها. وهو قول لا يمكن نفي حكمته. ولكن تأجيل التجديد بشكلٍ قسري للخطاب الديني (والذي هو من مفارخ الهوس الديني والإرهاب) «شيء» وعدم وضع وتنفيذ رؤية حداثية للتعليم والأنشطة الثقافية والإعلامية مع تأصيل مدنية الدولة «شيء آخر».

وقد يقول آخرون، أن تأجيل هذه الموضوع برمتِه هو خيارٌ حكيمٌ. ويقيني أن الزمن ليس محايداً. فعدم إحراز تقدم في هذا المجال لا يعني أن العقل الجمعي المصري سيبقى على وضعه الحالي، بل سيكون أشد بعداً عن الحداثة وأنساقها القيمية وعن التفكير العلمي. وقد يكون من المناسب هنا دعوة قراء هذا المقال المقتضب لتذكر هذه القواعد الجدلية (الديالكتيك) الهيجيلية (نسبةً للفيلسوف چورچ هيجل) وهي أن كل شيءِ يتغيّر (فلا شيء يبقى على حالِه) وأنه لا توجد تغييرات «كيفية»، فما يبدو لنا كتغييرٍ كيفي/نوعي هو مجرد تراكمات لتغييراتٍ كمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى