أخطاء شائعة

العقل المستقيل

ما ملامح المستقبل بعد عودة طالبان وسيطرتها على مقاليد الحكم في أفغانستان؟

Latest posts by د. عصام عبد الفتاح (see all)

تساؤلات كثيرة تحاصر أذهان المشتغلين بالتحليل السياسي والفكري لاستيلاء طالبان على السلطة في أفغانستان: ما أبعاد الحدث؟ وماذا ستكون آثاره على الجماعات الأصولية التي لا تكفّ عن التهليل له؟

والسؤال الأهم هو: ما ملامح المستقبل بعد عودة طالبان وسيطرتها على مقاليد الحكم في أفغانستان وهي تمثل الأصولية الإسلامية في أشد صورها تطرفًا؟

والسؤال الثالث هو: إذا كان عام 1979 هو عام نشؤ وتبلور الأصوليات في العالم بدءًا من الثورة الخمينية فى إيران، ومرورًا بحادث اقتحام الحرم المكي في السعودية وصيرورة أفغانستان بؤرة لميلاد قاعدة بن لادن واستزراع الأصوليين في أراضيها باسم الجهاد ضد الغزو السوفيتي، إلى التوقيع على معاهدة كامب ديفيد في مصر وإجماع القوى الأصولية فيها على ضرورة التخلص من السادات..

لمن تكون السلطة في أفغانستان؟

فهل يمكن القول بعد سقوط كابول في أيدي طالبان أن عام 2021 يؤرخ لبداية عهد جديد تحتشد فيه القوى الأصولية الإسلامية بمسمياتها المختلفة تحت حكومة طالبان توطئة لشن حروب على الكفار وتحقيق حلمها الأبدي في إقامة دولة الخلافة الإسلامية في العالم؟!.

ينسب الكثيرون إلى الأديب الفرنسي أندريه مالرو، وزير الثقافة في عهد ديجول، عبارة تقول «إن القرن الواحد والعشرين سيكون قرنًا دينيًا». ولئن كان من غير المؤكد أن يكون مالرو قد قالها بالفعل، فإن بعض الأصوليين قد استعارها ممن روجها، وكأنها تجسد وحيًا هبط عليهم من السماء ليحمل لهم بشارة النصر المبين على يد طالبان.

ولئن كان قرار انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان أثار موجة من النقد والدهشة ضده وكأنه قرار غير مدروس صدر من رئيس غابت عنه الرؤية المستقبلية لآثار الانسحاب الكارثية ونسي ما تكبدته بلاده من خسائر فادحة من جراء احتلالها أفغانستان، فالواقع أن من العسير قبول فرضية صدور قرار الانسحاب من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دون أن يكون قد أخضعه مسبقًا لدراسة مستفيضة مدعمة بآراء استخباراته ورؤاها المستقبلية للأحداث، خاصة أن الإمكانات الجيوستراتيجية والسياسية لأفغانستان ترشحها بقوة لأن تكون حضانة مثالية للأصولية الإسلامية ومجمعًا شاملًا لتياراتها.

تأثير عودة طالبان على القوى العظمى

أي أن «عودة طالبان» ستكون بمثابة «السم في العسل» لقوتين عظميين تؤرقان الإدارة الأمريكية، وهما روسيا والصين. فالأولى تحف بها جمهوريات إسلامية استقلت عن الاتحاد السوفيتي بعد انهياره، وكم من الأصوليين فيها من أغرته داعش بالانضمام إليها وسرعان ما ستتلقفه طالبان لتضمه إلى صفوفها!

أما الصين فيعيش فيها 120 مليون مسلم وبها حركات إسلامية معارضة تعيش في تركستان الشرقية وتطمح إلى الاستقلال عن الصين ولن تضن عليها طالبان بالعون في تحقيق حلمها إن هي طلبت منها ذلك.

كان أوباما يحلم في عهده بأن تكون سيناء وطنا ثابتا للأصولية الإسلامية ومرتعًا خصبًا لجماعاتها، لكن الجيش المصري الباسل أطاح بكل مخططاته وأحلامه. وعلى عكس سيناء توافرت في أفغانستان كل الشروط التي تؤهلها لأن تكون بؤرة مناسبة للجماعات الأصولية المعادية للحضارة، كما أنها قريبة من أعداء واشنطن.

اعتاد الأصوليون استخدام الديمقراطية نفسها ـ رغم أنها من الكلمات الرجيمة في قاموسهم ـ ذريعةً لإقناع الجميع بمشروعية أنشطتهم السياسية، وكأنهم فصيل سياسي يؤمن بقيم المجتمع المدني والديمقراطية، وقد انطلت حيلهم على أعداد كبيرة من المثقفين شرقًا وغربًا..

الدور التنويري

وهنا كانت الطامة الكبرى، فالتاريخ يعلمنا أن الارتقاء بملَكَة النقد والتفكير لدى الشعوب من أهم مهام النخبة. فلولا تيار التنوير الذي قادته النخبة في أوروبا في عصر الأنوار ما كانت لشعوبها أن تتخلص من أسر الفكر الأصولي القروسطي وتواصل تقدمها فى بناء الحضارة.

وما كان بإمكان الأصوليين التصدي للنخبة المتنورة التي فرضت سلطان العقل وأبرأت به شعوبها من التخلف. وعلى العكس من ذلك لايزال التفكير الأصولي في عصرنا الحاضر عقبة كأداء تعوق مسار الحضارة في بلادنا، وبات لزامًا على النخبة أن تضطلع بمهمتها التاريخية في رد الاعتبار إلى العقل المستقيل.

نقلًا عن «المصري اليوم»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى