طاقة نور

الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر

كتاب يقدم قراءة جديدة لمرحلة حساسة من التاريخ

تناول مؤلف كتاب «الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر» الدكتور هشام جعيط، الأحداث التي مر بها المسلمون حتى يومنا هذا من تفاعلات لا نزال نشهدها من انقسامات مذهبية وصراعات أيديولوجية.

وربما الفائدة التي سيخلص إليها قارئ هذا الكتاب الذي بلغت صفحاته 337 صفحة والصادر عام 1991 عن دار الطليعة في بيروت، أنه عقب الفراغ منه سيتسلح بأدوات منهجية تفيده ليس فقط في فهم ما جرى في الماضي وإنما في سبر أغوار ما يعتمل في مجتمعاتنا من أفكار أقعدتنا عن النهوض المنشود حتى الآن.

جدلية الدين والسياسة يعيد النظر حول الجهاد والخلافة

سيعيد القارئ النظر في الهالة التي وضعها المؤرخون القدامى حول الإسلام والجهاد والخلافة والفتوحات وحول الشخصيات الفاعلة في تلك الأزمنة. سيظل يحترم ويقدر جهود الكثير منهم، لكنه سيعرف أكثر بواعثهم ودوافعهم، والأهم أنه سيتمكن من التمييز بوضوح ودقة بين ما هو ديني وما هو سياسي سواء وهو يقرأ القرآن ويتتبع السيرة وينظر إلى التاريخ الديني من منشئه حتى الآن.

يحاول المؤلف في كتاب «الفتنة» أن يعالج سؤالًا طالما طرح على الباحثين والمتتبعين، وعلى المسلمين الذين يهتمون بالتاريخ عمومًا: كيف لأمة قامت على أساس دعوة دينية في البداية، وعلى كتاب مقدس، أن تصل إلى ما وصلت إليه من صراع ولما يمضي على مجيء الإسلام إلا وقت قصير؟

توظيف الديني من أجل السياسي

يلخص المؤلف الإجابة عن هذا السؤال في مسألة واحدة هي مسألة «القراءة». فقد كان لكل واحد من المتنازعين تأويله الخص «لهذا الديني الموظف في السياسي»، فكان «القراء» الذين قتلوا عثمان يتمسكون بحرفية الكتاب ولا زمنيته، ليستخرجوا من معينه كل المبررات التي جعلتهم يقومون بما قاموا به.

وبعد اغتيال عثمان سيقفون إلى جانب علي لينتهوا في الأخير إلى الوقوف ضده حين شكلوا أول حزب سياسي: حزب الخوارج. ومع ذلك فإن كل ما قاموا به كان بالنسبة إليهم تحقيقًا لما جاء به القرآن على الأرض.

أما الطرف الآخر في هذه «المعركة» السياسية والعسكرية التي كانت تخاض باسم الإسلام، الذي يمثله معاوية بن أبي سفيان وأتباعه في سوريا، فقد كان يرتكز، من بين ما يرتكز عليه في الدفاع عن أحقيته بالخلافة، على الدين.

لقد كان معاوية يقاتل باسم القصاص والثأر ورفع الظلم الذي «يأمر به الله». وعلى الرغم من أن معاوية كان أفقر من غيره في الرصيد الديني فقد كان يمتلك قوى ضاربة ورؤية استراتيجية دقيقة أهلته كي ينتصر في الأخير.

قراءة جديدة لمرحلة تاريخية هامة

ولكن هذه الأحداث التي تصفها كل كتب التاريخ التقليدي ليست إلا تجليات لحركية أعمق تتعلق في نهاية المطاف بفهم الإسلام في سياق مخالف لسياق النبوة. حركية تفصح عن «مركب قوي راح يهز عناصر لا متناهية» ويطور بنى وتراكيب بالغة التعقيد.

وبهذه الرؤية مارس هشام جعيط «تاريخا تفهميا» للقضية التي يعالجها، فاستطاع أن يقدم «قراءة» جديدة لهذه المرحلة الحساسة من التاريخ، وأن يتوصل إلى تحليل البنى التي كانت تحرك الإسلام السياسي في تلك الفترة. وهي بنى ما زالت تحكم بعض المسلمين إلى الآن.

هذه القوى التي يصفها الكاتب بأنها تعتمد «قراءة جذرية وحرفية» للإسلام، شكلت في واقع الأمر «قوة انقلابية» تتكئ على الدين للوصول إلى السلطة. وهو مبدأ عاد للانتشار منذ أواخر القرن العشرين.

ويتساءل الكتاب عن الأسباب الكامنة وراء بروز هذه القوى من حين لآخر بين المسلمين، فيرجع السبب إلى أن مبدأ الدولة في الإسلام «كان خاضعا لمبدأ التعالي الديني»، وهذا ما سمح لتلك القوى بإشعال «فتنة عامة ومهددة للحفاظ الذاتي على الأمة.

الفتنة الكبرى تكريس لظاهرة الإسلام السياسي

إن ما يصطلح عليه في كتب التاريخ بالفتنة الكبرى لم تؤد إلى خلق ظاهرة الإسلام السياسي فقط، ولكنها كرست بالإضافة إلى هذا «تقليدًا» مرتبطًا بهذا النوع من الفهم للإسلام، عندما أصبح الإسلام مقرونًا بالعنف، وهو ما نشاهده اليوم في مناطق كثيرة. فما أشبه اليوم بالبارحة.`

في هذا الكتاب يستعرض هشام جعيط السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري والتاريخي والديني الذي ولَّد عوامل الفتنة وأسبابها ومسبباتها. ولم يبدأ من عصر عثمان بن عفان الذي فيه وقعت الفتنة وإنما عاد قليلًا للوراء حيث ظهور الإسلام ونشأة دولة المدينة بقيادة النبي محمد (ص) ودور الجيش الذي أسسه لمباشرة الجهاد داخل شبه الجزيرة العربية وتوسعة مهام هذا الجيش من بعد وفاته على يد الخليفتين أبي بكر وعمر.

علاقة الدين بالسياسة في دولة المدينة

فمن هذه الزاوية تحديدًا، علاقة الدين بالسياسة كما بدت في دولة المدينة، وعلاقة ذلك بالحرب والقتال والغزو والمعارك التي انتهت بالاستيلاء –على حد تعبير الكاتب- على الهلال الخصيب (العراق والشام) وجزء كبير من بلاد فارس بعد زوال دولتهم، فضلا عن الاستيلاء على مصر، وما تبع ذلك كله من تدفق هائل للثروات سواء على الأفراد المقاتلين وأسرهم وعائلاتهم أو على الخزينة العامة للدولة في المدينة (بيت المال) وتعزيز سلطة الخليفة باعتباره مسيّرا للجيوش، فاتحًا للبلدان، جامعًا للخراج، مقسّمًا له على المستحقين من الجنود والسابقين في الإسلام بحسب رتبهم ودرجاتهم.

وتنبع أهمية الكتاب من تقديمه رواية للإسلام دينًا وتاريخًا انطلاقًا من نقطة الصفر. خيط بدأ يتكون أمسك به المؤلف واستعرض خيوطه المجدولة خيطا خيطا على المستويات الدينية والسياسية والاجتماعية، ليعرف القارئ كيف تطور هذا الإسلام من دين متواضع على الصعيد المادي ممتلئا بدلالات للمستقبل إلى إسلام وصفه بالكلاسيكي والمركب كما تشكل في بغداد وقرطبة وارتبط في المخيال الجماعي بحضارة ساطعة وثقافة كبرى.

الحرب الأهلية في خلافة عثمان

والكتاب يسلط الضوء بوجه خاص على الأزمة السياسية والاجتماعية التي فجرت الفتنة وما حدث فيها من حرب أهلية شرسة استمرت منذ النصف الثاني من خلافة عثمان واستمرت متأججة حتى اغتيال علي واستيلاء معاوية على الحكم، وبقيت جمراتها مشتعلة تحت الرماد تتمظهر في جولات من النزاعات السياسية – الدينية في القرن الهجري الأول إلى إطاحة العباسيين بسلالة الأمويين وتأسيس تصور جديد لتوازن قوى أيدلوجية وإثنية مختلفة استمرت حتى القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي إلى أن تم طرد العرب واستبعادهم من ساحة السيادة التاريخية.

يقول المؤلف: «إن السياسي والديني قد امتزجا معا. فالأمة آنذاك قد قامت على أساس دعوة دينية اسمها الإسلام وأصبح كل من المتنازعين له تأويله الخاص لما هو ديني بغرض توظيفه سياسيا. فالخوارج (القراءون) قتلوا عثمان اعتقادا منهم أنهم يطبقون فيه حكم الله بعد أن سار في الأمة على ما يخالف هدي القرآن وسيرة النبي وسلفيه أبي بكر وعمر، ثم بعد مقتله لم يكن لديهم تصور عن شكل وطبيعة نظام الحكم من بعده ولا المخاطر والتهديدات المحيطة به فأيدوا في البداية عليًّا ثم وقفهوا ضده وشكلوا حرب سياسي ديني كأول حزب سياسي ديني في الإسلام وهو حزب الخوارج..»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى