رؤى

الفطنة الآدمية أحوال وأطوار

كيف العودة في هذا الزمان إلى الماضي السالف، على أيدي المرتجين الذين يعيشون خارج الحياة!

رجائي عطية

تحت عنوان «الفطنة الآدمية أحوال وأطوار» كتب المستشار رجائي عطية مقاله المنشور في جريدة «الوطن» المصرية تناول فيه ما حدث من تطور لأحوال البشر..

وجاء في المقال:

يبدو لكل آدمي إذا انصرف إلى داخله في إمعانٍ وإخلاص أن له عمقاً يزداد مع ازدياد ذلك الانفراد مع النفس..

وتتضاعف الأعماق مسافات في داخله.. فيرى فيها رؤى وجوانب وفهماً ونتائج لم يكن يفطن إليها من قبل.. سواء هو أو غيره ممن يتصل بهم.. من الأقارب كانوا أم من الأغراب..

وهذا التعمق بشري صرف.. منحه الخالق عز وجل على درجات لبعض البشر.. لحكمة لديه هو.. لم نصل إليها في اندفاعاتنا حتى الآن..

تلك الاندفاعات المتتابعة التي قادت مسارات الأجيال والملل والنحل إلى ما هي عليه الآن من السطحية والانعزالية..

فمنذ أكثر من ثلاثة قرون مضت انتقل التفات العالم المتمدين إلى خارج الآدمي بحواسه أولاً وأخيراً.. معرضاً عن الاهتمام بداخله.. فاضمحل مع هذه الاهتمامات البشرية الخارجية أثر الدين ومعه الذمة..

وتزايد الاضمحلال باطراد واستمرار لا ينقطعان إلى يومنا هذا.. وفي تلك القرون كانت الدولة الإسلامية الكبرى السائدة من قبل في البحر الأبيض المتوسط قد تدهورت لاضطراب سلاطينها وفساد قادتها وانحطاط جيوشها وأساطيلها،

فلم يعد يبقى في بلاد الإسلام قوة مدنية ولا قوة دينية، ولم يبق حتى اليوم في بلادنا إلا دول ودويلات لا تسمع لها كلمة في هذا العالم الضخم الذي لا يهدأ نهاراً وليلاً.. أرضاً وبحراً وجواً..

وقد ملأ زخم هذا العالم عواطف وعقول الشعوب الإسلامية، وأخذت عنه ما أمكنها تقليده.. هذا التقليد الفاتر القاصر الذي أخذته عن الدول المتقدمة المتطورة..

بينما لا يزال يوجد هنا وهناك متكلفون من أصحاب الجلابيب البيضاء واللحى الطويلة.. لم يفهموا من الإسلام إلاّ هذا الشكل الظاهري الذي لازم عصره ومكانه، ويحرصون معه على التشنج والأسلحة والذخائر التي لا تستعمل إلاّ في القتل والحرق.. بدعوى استقامة إسلامهم وحدهم، وكفر باقي المسلمين الحاليين!..

صياحهم صياح أدعياء مدعين خائبين.. مرقوا عن الجماعة.. يقودهم بعض الحمقى والأغرار.. تنحصر طموحاتهم وأشواقهم في التصدر للحكم الذي لا ينتظره عاقل..

كيف لملايين البشر العودة في هذا الزمان، رغم أنوفهم، إلى الماضي السالف، على أيدي أولئك المرتجين الذين يعيشون خارج الحياة!

والإحساس العام بالعزلة، الذي عاد وزاد في كل مكان على هذه الأرض.. لدى كل آدمي.. غنياً كان أو غير غني.. سيداً أو مسوداً.. متعلماً أو جاهلاً..

هذا الإحساس بالوحدة أو العزلة الكئيبة العميقة الخالية من الأمان والاطمئنان.. أخذ بتلابيب الناس لأن نفوسهم قد صارت خالية من الثقة والأكادة والإيمان بقيمة الإنسان وأسرته ومصيره ثم مصيرها من بعده..

إذ لا وزن للوهم والخيال والتكلف والادعاء والانتحال والكبرياء والتطاول والغلظة والقسوة.. فهي سحب ضريرة وتيه وغباء وفساد وزوال!

ويستحيل أن تتماثل الأجيال في البشر تماثلاً تاماً.. لا في الذات ولا في القرابات.. لأنها مخلوقات متوالية متعاقبة.. تختلف باختلاف الأعمار والأوساط.. وباختلاف الحيوات..

وليست تكراراً كما في نواتج الصناعات والزراعات، أو كما في المصطلحات والعادات واللغات والأساليب والحكايات التي تحفظها وتكررها العادات والتقاليد عبر الأجيال بلا فهم أو استيعاب!

وغالبية البشر في كل زمان ومكان تخلط بين اختلاف الأجيال والأعمار والأوساط واختلاف كل حي عن أى حي آخر، وبين المصطلحات الجارية بين أفراده في هذا المحيط أو ذاك في أزمنة استعمالها نتيجة إقامة كل فرد في محيطه وتأثره واعتياده على ما حوله من جيرة أو قرابات أو مصادفات..

البشر في كل عصر وقطر، متطورين كانوا أو غير متطورين، لا يدققون في مقاييس العلاقات العادية الجارية.. وهذا من أسس الجماعات البشرية السائدة غير مؤلفة التكوين والتحديد. . توجد أولاً ثم تنظم كيانها إذا اتسعت بقدر ما استطاع أهلها أو قادتها، ثم يكون لها تاريخ ومستقبل إن لم تنطفئ وتزول!

والعلم الجاد أو المعرفة الحقيقية لم يوجدا بعد لدى غالبية البشر في أية جماعة.. فالبشرية ما زالت إلى اليوم والغد تتحسس وتتعثر.. وغالباً ما تتخيل وتتوهم.. ونادراً جداً ما تتمسك بصدق أو صحيح أو حق.

ومعرفة الحاضرين لآبائهم الماضين بأجيالهم المتعاقبة معرفة نسبية إلى أقصى درجة.. إذ كلما خلف جيل جيلاً سبق زاد وأمعن جهالة وجهلاً وغموض معرفة بالسابقين، ووهن مع هذه الجهالة كل خيط يربط الحاضر بهم حتى في نسبة الأصول وأسماء الأجداد. .

فما معنا من تواريخ وذكريات الأسر والعائلات تافه يحيط به الغموض حتى إن حاولنا جادين تعقب معرفته!

وربما كان اختلاف أجيال البشر الذي لا ينقطع، هو السبب في شعورهم الدائم الهائل باختلاف الأمكنة والأزمنة.. طبيعية كانت أو غير طبيعية..

وربما كان هذا هو أيضاً الداعي لانفراد الأنا بذاتها في كل آدمى حى.. بالغاً ما بلغت لديه أعماق محبة الغير والتفاني من أجله..

فالأنا جزء من المخلوقات في هذا الكون العظيم.. واعتيادات الأنا تتوالى عليها بانتظام واعتياد غير واعٍ مدى حياة صاحبها.. يحل بعضها محل بعض مدى عمره ما عاش..

ذلك أن محتوى الأنا الفعال من بداية العمر إلى نهايته، يصاحبه باستمرار إحساس الفرد بذاته المنفصلة تماماً عن غيرها.. هذا الاستقلال بالاسم والمشيئة والرأي والحواس والجسم والعاطفة والميول والمخاوف!

ومعظم ما تملكه كل «أنا» عبارة عن تقليدات مقصودة أو غير مقصودة من حركات وتصرفات لدى آخرين مأخوذة هي الأخرى من غيرها، قريباً كان أو غير قريب..

فهذا أصل في البشرية المعتمدة أولاً وأخيراً على حواس الآدمي في الأخذ والعطاء من عالمه بغير انقطاع.. وعالمه دائماً مكون من البشر وغير البشر من الأحياء الأخرى، فضلاً عن الجمادات والقوى والطاقات التي لا حدود لها في هذه الأرض!

ومشاغل الأنا تشغل كل آدمي.. تهم الغني أكثر بكثير جداً من الفقير.. وقلما تنعشه وتسره.. إذ معظمها متاعب واحتمالات وشكوك ومخاوف وهموم ومكاره وعداوات.. أغلبها من إساءة الظن والطمع ونسيان الذمة والاستهانة بنقاء الضمير لسطوة وسيطرة الأنانية..

إذ البشر من بداياتهم حتى اليوم والغد في سباق مع أنفسهم إلى اختطاف المكاسب والمغانم والفرص المتصور أنها السبيل إلى كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين!

وإلى يومنا هذا، ربما يكفي الآدمي العادي أن يسمع خبراً أو يقرأ مقالة كي يعيدها ويرددها ويصدقها..

ولأنها باتت من حصيلة أناه، فإنه لا يأبه ولا يذكر مصدرها، إما لأنه نسيها، وإما لأنها باتت من معلوماته هو..

وأحاديث الناس في كل مجتمع قديم أو حديث عادة مبنية على هذا النقل والانتقال بغير مبالاة.. لأن الفحص ثقيل على أغلب الناس!

ولكن تكاثرهم الهائل الحالي، وهم على هذه السطحية والبساطة، يعرضهم دائماً للصعوبات والأذى والتخريب وأحياناً للإبادة..

إذ لم يعد يوجد لدى الشعوب في هذا الزمان الحكام العقلاء المستقيمون.. إلا نادر النادر.. وربما لا يسهل أن يجد أحدهم الآن من يعينه على الجد والاستقامة بكفاية وإخلاص.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى